الأوبئة … هل البشريّة في خطر؟

image-17370

الأوبئة  

هل البشريّة في خطر؟

يشكل انتشار الأوبئة خطرا حقيقيا على السكان ربما يفوق خطر الحروب لأنه يتفشى بين الناس بشكل سريع قبل إيجاد العلاج أو اللقاح المناسب؛ وقد ازداد انتشار الأوبئة في السنوات الأخيرة حيث بتنا نسمع بين الحين والآخر عن اسم جديد يشكل تهديدا حقيقيا ليكون العالم بأسره في مواجهة شيء مجهول ولا علاج واضح له. ومن الأمثلة على ذلك فيروس زيكا وإيبولا وانفلونزا الخنازير، وغيرها الكثير من الأوبئة التي فتكت بحياة الكثير من الناس في السنوات القليلة الماضية حيث أنها عابرة للحدود ولا يمكن حصرها في بقعة جغرافية محددة لاسيما في ظل الانفتاح القائم بين الدول وكثرة الأسفار بين البشر.

الوباء إذن هو حالة مرضية تصيب عددا كبيرا جداً من الناس في المجتمع في الوقت نفسه؛ وهناك بعض العوامل التي أسهمت في توسيع رقعة الأوبئة وانتشارها بكثرة بين الناس؛ النمو السكاني وكثرة الاختلاط فيما بين الناس يعتبر من أبرز العوامل التي زادت من انتشار الأمراض سواء عبر الهواء أو المياه غير النظيفة أو البعوض.

التعدي على بيئات جديدة يعتبر عاملا مهما كان له الدور البارز في سرعة انتشار الأوبئة، بعد ان كبرت الحاجة إلى مساحات للعيش بسبب الاكتظاظ السكاني وتزايد أعداد البشر، حيث توسعوا للعيش في مناطق لم تكن مأهولة سابقا مثل الغابات التي لطالما ضمت الكثير من أنواع الحيوانات التي تحمل العديد من الأمراض والفيروسات. على صعيد آخر، فان التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض تشكل بيئة مثالية لنمو الأمراض وسهولة انتقالها، في وقت يزداد فيه السفر العالمي حيث وصل عدد السياح الدوليين إلى حوالي 1.2 مليار في العام 2015، وفقا لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة العالمية.  كما ان السنوات الاخيرة شهدت حروبا في دول عدة، وغالباً ما تنتشر الأوبئة خلال الاضطرابات المدنية والحروب الأهلية بسبب سوء النظافة والدمار وصعوبة الوصول إلى جهات طبية مختصة.

انفلونزا الخنازير…

من أكثر الفيروسات صعوبة لقدرته على التغير السريع

انتشار إنفلونزا الخنازير (H1N1) في العام 2009 بعد أن تم اكتشافه في المكسيك، وهو من سلالة فيروس الإنفلونزا الإسبانية الذي حصد ما بين 20 – 100 مليون إنسان في العقد الماضي ما بين عامي 1918 و1920. للأسف، فإن هذا الفيروس من أكثر الفيروسات صعوبة في دراسته، نظرا لقدرته على التغير السريع؛ ما يشكل صعوبة في تكوين أضداد له في الجسم.  أن فيروس H1N1 لديه القدرة على تحويل نفسه بشكل طفيف كل عامين إلى ثلاثة أعوام؛ وعندما تبدأ الأجسام التي يستهدفها بتكوين مناعة نحوه ونحو التحويرات الطفيفة، يقوم بعمل تحوير كبير يمكّنه من الهرب من جهاز المناعة مسببا حدوث جائحة تجتاح العالم كل عدة سنوات.

رغم أن أعراض انفلونزا الخنازير تكون أشد، إلا أنه لا يمكن التفريق بين الإنفلونزا الشائعة وبين انفلونزا الخنازير إلا عن طريق فحص مخبري يحدد نوع الفيروس؛ فمشكلة هذا الفيروس هي أن أعراضه لا تختلف عن أعراض الانفلونزا العادية ما يجعل الأطباء يتصرفون بشكل طبيعي، حيث تظهر أعراض الرشح العادية مع ارتفاع في درجة الحرارة، ورعشة تصحبها كحة وألم في الحلق مع آلام في جميع أنحاء الجسم وصداع وضعف أو وهن عام. 

ولكن تطول مدة المرض ويزداد الجسم في الضعف والوهن، وعليه لا ينبغي الاكتفاء بالفحوصات العادية بل يتوجب على الطبيب التوسع في طلب الفحوصات والتحاليل المخبرية للتأكد من وجود انفلونزا الخنازير أم لا. هذا الفيروس سريع الانتشار إذ أنه ينتقل عن طريق التنفس أو الرذاذ المنتشر في الهواء بعد العطس. وللأسف، لا يوجد لقاح يحمي من الإصابة؛ ورغم أن اللقاح المستخدم للأنفلونزا الموسمية قد يوفر بعض الحماية من الإصابة، إلا أن الأطباء اكتشفوا سلالة جديدة مختلفة عن تلك التي تصيب الإنسان. انه مرض تنفسي حاد فيروسي شديد العدوى، يصيب الخنازير إلا أنه يمكن أن ينتقل إلى الإنسان وينتقل من شخص إلى آخر، ويسببه واحد أو أكثر من فيروسات انفلونزا الخنازير من النمط A، إلا أن أكثرها انتشارا هو النوع الفرعي H1N1.  اما آلية انتقاله إلى البشر، فتحدث نتيجة الاتصال ما بين البشر والخنازير المصابة، تنتقل كما تنتقل الفيروسات من الشخص المصاب إلى الآخرين عن طريق استنشاق الرذاذ المنتشر عند التنفس والسعال والعطس، أو عند لمس الفم أو الأنف بعد لمس مناطق ملوثة بهذا الرذاذ.

ومن الأعراض التي تستدعي التدخل الطبي الفوري:

– التنفس السريع أو صعوبة التنفس.

– لون الجلد مائلا إلى الأزرق.

– عدم الاستيقاظ أو عدم التجاوب.

– أعراض مشابهة للأنفلونزا تتحسن ومن ثم تعود مع الحمى أو السعال.

– حمى مع طفح جلدي في البالغين.

– صعوبة في التنفس.

– ألم أو ضغط في الصدر أو البطن.

– دوار مفاجئ.

– قيء شديد ومستمر.

اما طرق الوقاية، فهي على النحو الآتي:

– تجنب الاقتراب من المرضى المصابين بالفيروس.

– غسل الأيدي بالماء والصابون عدة مرات في اليوم.

– تغطية الأنف والفم بمناديل ورق عند السعال واستخدام الكمامات للفم  والأنف.

– غسل الأسطح بالمحاليل المطهرة كلما أمكن.

– أخذ اللقاح الموسمي السنوي ضد الأنفلونزا حيث انه يمكن ان يساهم في الوقاية من المرض. 

  • إن انتشار الأمراض الوبائية سواء، انفلونزا الخنازير او غيرها، يتطلب إجراءات وقائية احترازية للحد من زيادة انتشارها وتحولها إلى كارثة – وبائية أو جائحة مرعبة يصعب السيطرة عليها، ولهذا فإن إعلان الطوارئ الصحية ضرورة وطنية للحد من انتقال الوباء الفيروس وضمان حماية – المواطنين من الكوارث الوبائية.

وباء الإيبولا…

مرض فيروسي حاد سهل الإنتشار

أُصيب أكثر من 28 ألف شخص بوباء إيبولا بين العامين 2014 و2016، ما تسبب بأكثر من 11 ألف حالة وفاة. فقد ضرب هذا الوباء دول غرب أفريقيا، لاسيما غينيا وسيراليون وليبيريا، ليترك وراءه آلاف الوفيات ما أثار حالة من القلق في العالم خاصة بعد ظهور عدد من الإصابات في أوروبا والولايات المتحدة، وقد نجحت نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية في القضاء على الوباء بعد أشهر من تفشيه في أراضيها. وكان الفيروس قد ظهر للمرة الأولى في السودان وزائير في العام 1976 وسبب حمى نزفية شديدة الخطورة غالبا ما تنتهي بوفاة المصاب. 

من الممكن أن يصل هذا الفيروس إلى أي مكان في العالم عبر خطوط الطيران لاسيما وأن فترة الحضانة تتراوح بين يومين إلى 21 يوم ولابد من رفع الوعي لدى العاملين في المجال الصحي الالتزام بارتداء الواقيات الشخصية المناسبة  والمحافظة على غسل اليدين الروتيني عند التعامل مع الحالات المشتبه بها. لقد شكل هذا الوباء رعبا في نفوس السكان نظرا لسرعة انتشاره، حيث كانت تلك المرة هي الأولى التي ينتشر فيها الفيروس في المناطق الآهلة بالسكان. فيروس الإيبولا يغزو الدّم. وتتطور الحالة المرضية في الجسم لتؤثر على الأعضاء الحيوية كالكلى والكبد خاصة ويبدأ بها نزيف داخلي. ثم تحدث الوفاة بعد وقت قصير من ظهور الأعراض بسبب فشل العديد من الأعضاء في تأدية وظائفها وكذلك للإصابة بأزمات قلبية-تنفسية.  ينتمي فيروس الإيبولا إلى عائلة “الفيروسات الخيطية”، وأطلق عليه هذا الاسم لأنه يظهر على شكل خيط تحت الميكروسكوب. ويعد هذا الفيروس من أشد الفيروسات فتكا بحياة الإنسان ويصنف على أنه عامل بيولوجي وممرض من الدرجة الرابعة.

خطورة المرض تكمن في سهولة انتشاره، حيث ينتقل الإيبولا بين البشر من خلال الاتصال المباشر مع مشتقات الدم والإفرازات السائلة مثل العطس وسوائل الجسم مثل اللعاب، البول، البراز، والقيء، والمني، والعرق للأشخاص المصابين أو عبر وسائط من البيئة الملوثة. لأن الإيبولا مرض فيروسي حاد، فإنه يؤدي إلى ظهور الحمى والوهن الشديد، وإلى آلام في العضلات، والصداع والتهاب الحلق، ومن ثم التقيؤ والإسهال وظهور طفح جلدي واختلال في وظائف الكلى والكبد، والإصابة في بعض الحالات بنزيف داخلي وخارجي على حد سواء. كما تظهر النتائج المخبرية انخفاضا في عدد كريات الدم البيضاء والصفائح الدموية وارتفاعا في معدلات إفراز الكبد للأنزيمات. وتتراوح فترة حضانة المرض، الممتدة من لحظة الإصابة بعدواه إلى بداية ظهور أعراضه، بين يومين اثنين و21 يوما. فيروس إيبولا يغزو ويتكاثر ويحطم الخلايا البطانية للأوعية الدموية vascular endothelial cells، ويصاحب ذلك حدوث التخثر المنتشر داخل الأوعية الدموية disseminated intravascular coagulation، وهذا قد يساهم في إحداث النزيف الذي يميز العديد من حالات عدوى الإيبولا.  

العدوى في الإنسان وغير الإنسان تكون مصحوبة بتكاثر الفيروس في الأنسجة، ويكون هذا التكاثر مصحوبا بموت بؤري للخلايا شديد severe focal necrosis ومنتشر وأكثر ما يحدث ذلك في الكبد. وهناك حمض نووي ريبي صغير يكون موجودا في جسم الفيروس وهو ما يسمى فريونات Virions، ويكون عدد كبير منها موجود في أنسجة العائل ودمه في حالات العدوى القاتلة وتكون أنسجة وسوائل جسمه معدية جدا وذلك بسبب وجود هذا الحمض النووي الريبي. ولكن، للأسف حتى الآن لا يوجد علاج مناسب أو لقاح يقي من الإصابة؛ لذلك، تبقى الإجراءات الوقائية والتدابير الاحترازية هي السبيل الوحيد للحيلولة دون انتقال العدوى.

ومن هذه التدابير:

– تجنب الاتصال الجسدي بأشكاله سواء المعانقة والمصافحة باليد.

– الامتناع عن ملامسة خفافيش الفاكهة أو القردة/ النسانيس المصابة بالعدوى.

– غسل اليدين بشكل متكرر بالماء والصابون.

– تجنب النوم بجوار مريض الإيبولا أثناء شعوره بالحمى.

– عدم الاقتراب من المريض دون وسائل الحماية.

– تجنب لمس قيء أو دماء أو براز مريض الإيبولا أو حتى شخص توفي بالمرض.

– تجنب لمس أو رفع جثث المتوفين. فقط المعالجون هم من يحق لهم دفن الموتى.

– تجنب لمس أو أكل الحيوانات التي وجدت ميتة في الغابة.

– الأشخاص الذين يعملون في مجال رعاية المرضى عليهم ارتداء القفازات ومعدات الحماية مع ضرورة غسل اليدين بعد الخروج من غرفة المريض.

فيروس زيكا

مسؤول عن تشوهات الأجنة في الأرحام 

فيروس زيكا ظهر في العديد من دول العالم ناجم عن لدغة بعوضة تسمى “البعوضة المزعجة” حيث ينتمي إلى عائلة الفيروسات المصفرة أو المسببة للحمى الصفراء، وهناك أدلة متنامية تربط بين فيروس زيكا وصغر الرأس عند المواليد الجدد، وهو خلل في النظام العصبي يؤدي إلى مواليد ذوي رؤوس وأدمغة أصغر من المعتاد. وقد تركزت الجهود حول منع انتشار الفيروس في القضاء على مواقع تكاثر البعوض واتخاذ احتياطات ضد لسعات البعوض مثل استخدام مواد طاردة للحشرات وشبكات وقاية من البعوض، في وقت لا يوجد علاج شاف منه.

انه مرض ينجم عن فيروس ينتقل عبر البعوض ويؤدي إلى أعراض مثل الحمى والطفح الجلدي؛ وبحسب التقارير حول هذا الفيروس، فهناك صلة محتملة بين إصابة الحوامل به وبين إنجاب أطفال يعانون من تشوه خلقي يسمى “الصعل” أي صغير الرأس. ولا يوجد حاليا أي علاج أو لقاح. وارتبط وصول الفيروس في بعض الأماكن من خلال تسجيل زيادة حادة في ولادة الأطفال برؤوس صغيرة بشكل غير طبيعي، وأيضا زيادة في حالات متلازمة “غيّان-باريه”، وهي اعتلالٌ عصبيٌ متعددٌ يصيبُ الأطفالَ حديثي الولادة. بحسب منظمة الصحة العالمية، ينتقل فيروس زيكا بواسطة البعوض المزعج لاسيما الزاعجة المصرية في المناطق المدارية وهي البعوضة نفسها التي تنقل حمى الضنك والشيكونغونيا والحمى الصفراء. وقد اكتُشف لأول مرة في أوغندا في العام 1947 في قرد الريص بواسطة شبكة رصد الحمى الصفراء الحرجية، ثم اكتُشف بعد ذلك في البشر في عام 1952 في أوغندا وجمهورية تنزانيا المتحدة. وقد سُجلت فاشيات فيروس زيكا في أفريقيا والأمريكتين وآسيا والمحيط الهادئ.

تظهر أعراض المرض بعد لدغة البعوضة الحاملة للفيروس بأيام قليلة تتراوح بين يومين إلى ثلاثة أيام، وتكون ظاهرة فقط على 20% من الأشخاص المصابين حيث تختلف حدتها من شخص لآخر وتتمثل في ارتفاع بسيط في درجات الحرارة وهرش.  وقد يصاب بعض الأشخاص بالتهاب شديد في ملتحمة العين وآلام مبرحة في العضلات والعظام ما يسمى بتكسير في العظام، ودائما يكون المريض منهك القوى أثناء ظهور الأعراض، وقد تستمر الأعراض ما بين يومين إلى سبعة أيام تبعا لقوة الجهاز المناعي للمريض. بما انه لا يوجد حتى الساعة أي لقاح يقي من خطر الإصابة بهذا الفيروس، فإن عنصر الوقاية يبقى هو الخطوة الأهم لتجنب الإصابة؛ كما أن هناك بعض الخطوات الاحترازية التي ينبغي القيام بها وأهم ما فيها محاربة الأماكن التي تتجمع فيها تلك البعوضة من خلال القضاء على المستنقعات الراكدة وأماكن تجمع القمامة قبل دخول فصل الصيف وانتشار البعوض لأنه الناقل الوحيد للمرض. 

من خطوات الوقاية أيضا، إجراء تحليل فوري لكل من يعاني من التهاب في ملتحمة العين وقادم من الأماكن الموبؤة لأن الالتهاب قد يكون سببه فيروس زيكا.  ينبغي أيضا على الحوامل توخي الحيطة والحذر لئلا يتعرضن للدغة من تلك البعوضة لحماية الجنين. ومن الضروري أيضا تقوية جهازنا المناعي بمضادات الأكسدة والسلطة الخضراء والفواكه الطازجة لأن الفيروس ضعيف ولا يستطيع مهاجمة الجهاز المناعي القوي. يجب ايضا تجنب لسعات البعوض عن طريق استخدام دهانات طاردة ووضعها بصفة دورية لإبقاء الجسم محمياً من اللدغة حيث تعمل هذه الدهانات كطبقة واقية؛ اضافة الى حماية المنزل من دخول البعوض عبر إبقاء النوافذ مغلقة وكذلك الشبكات السلكية التي تحمي من دخول البعوض طوال اليوم لأن لسعة البعوضة التي تحمل الفيروس تكون شديدة خلال النهار وحتى غروب الشمس.

من الخطوات الواجب اعتمادها للوقاية ايضًا  الحذر من المياه الراكدة التي قد تحتوي على يرقات البعوض مثل البرك والدلاء والمزهريات وأواني غذاء الحيوانات الأليفة وأقفاص الطيور والنباتات الموضوعة في أواني، حيث يعتبر الماء البيئة المثالية لتجمع البعوض وتكاثره. ثم إن النفايات المنزلية قد تكون ساحة لتكاثر البعوض بسبب المياه المتراكمة، ما لم يتم إغلاق القمامة بشكل جيد واتّباع تدابير احترازية حينما يتعلق الأمر بالتعامل مع القمامة التي ينبغي أن توضع في أكياس بلاستيكية مغلقة. يجب الحذر من السفر إلى الدول التي ينتشر فيها البعوض، خصوصا النساء الحوامل.

Comments

comments

Pin It on Pinterest

Share This