التعليم السليم للأطفال

image-16630

التعليم السليم للأطفال

صحة وثقافة وتطور

“وأنتم أبناء السنوات الباكرة بعودكم الطري يتعذر عليكم معرفة المخاوف التي نشأ عليها كباركم.

رجاء ساعدوهم بشبابكم وفيه، إذ إنهم ينشدون الحقيقة قبل أن توافيهم المنية”. 

 كروزبي، ستِلْز، ناش ويونغ

بغية تعلم أمر جديد في الماضي غير البعيد جدا، كانت الخيارات المتاحة أقل بكثير من تلك المعتمدة اليوم. فكان علينا طرح أسئلتنا على شخص كان بالفعل قد راكم المعرفة التي ننشدها، أو نحصل على المعلومات بطريقة مباشرة عبر تجاربنا الشخصية، أو نقرأ عن الموضوع في أحد الكتب. وفي حال حالفنا الحظ بوجود شخص مستنير بالشكل الصحيح على مقربة منا، يصبح من السهل نسبيا العثور على جواب لسؤال بسيط.

لقد شاعت على نحو واسع طرق الاكتشاف المعتمدة على “تعلم وأنت تمضي وتعيش” التي تميزت بشبه كبير مع استعراض لعبة “فلنعقد اتفاقا” الرائجة في الستينات. عند تزويد المرء بخيارات عدة من دون إطار مرجعي، يجوز له أن يختار باباً يخفي جواباً مراوغاً، وذلك بسهولة انتقائه جوابا يعد بالسعادة إلى الأبد. لكن، هكذا كانت الحياة.

عرضت أجيال متعددة من طلاب الحقيقة بفخر مجموعات من موسوعة بريتانيكا على الرفوف في قاعات الجلوس في منازلهم بفضل جيش من الباعة المتجولين الذين مشوا من بيت إلى بيت وهم يحملون الكتب. هكذا صار إلى نشر هذه النسخة طبق الأصل للوحي كلي المعرفة أولا في اسكتلندا في القرن الثامن عشر، وتمتعت مع مرور السنين بنسخ عديدة. وفي ثلاثينات القرن الماضي اشترت طبعتها الحادية عشرة شركة أميركية قامت باختصارها وبتزويدها بالصور حتى تروق للجماهير.

وكرست ما يزيد على مئة من حائزي جوائز نوبل ومجموعة من الرؤساء الأمركيين ملكاتهم الفكرية لكتابة صفحات في هذه المجلدات، التي تحولت مرجعا “يعود إليه” الباحثون عند كتابتهم التقارير لصفوف العلوم والدراسات الاجتماعية. وكم من طالب قضى سهرات طويلة على طاولة المطبخ وهو يعيد صياغة الإشارات والمراجع الخاصة بألبرت آينشتاين أو التمثيل الكلوروفيلي في محاولة لترك انطباع جيد في نفس المدرّس من دون أن يضطره إلى رفع العلم الأحمر ضد السرقة الأدبية.

لكن، في حين تصبح دروس الحياة التي يلقنها الوالدون والعلماء الكبار واسعو المعرفة، في حاجة إلى الاستعانة بمعلمين وحكماء غرباء لا حصر لهم على الشبكة العنكبوتية الدولية، نجد طرقنا ومناهجنا تعرف التحول بطريقة هامة.

من الجائز إبراز أوجه شبه بين التعلم الإلكتروني والأكل في أحد مطاعم الوجبات السريعة، إذ يوفر كلاهما الامتنان الفوري. فهما سهلا الارتياد والفهم ويؤمّنان الراحة على نحو يتعذر إنكاره. ومن المدهش أن يمر المرء في أي وقت من النهار أو الليل بالنافذة المضيئة لمطعم غوغل للوجبات الجاهزة، ويختار أي مادة من قائمته التي لا تنتهي، ويشعر بالشبع في غضون ثوانٍ.

وإذا تقيدنا بهذه الاستعارة، يجب أن نتميز باليقظة والحذر عند طلب الغذاء لعقلنا كما لجسمنا. فمن السهل أن تغوينا حوريات الفيسبوك والتوتير، التي تومئ مع كل ملحوظة مسموعة، وتحيل المرء ممتلئا بالسعرات الحرارية الفارغة ولكنه يفتقر إلى الومضات واللمحات الفكرية.

لا يختلف هذا الأمر بالنسبة إلى الأطفال. فالوالدون كثيرو الانشغال لأطفال أشد انشغالا، يجدون بساطة متناهية في تزويد أولادهم بهواتف ذكية أو لوحية وإبقائهم مستمتعين لساعات بالألعاب الإلكترونية التي توفر لهم الكثير من التحفيز الحسي من دون أن تطلب منهم أي نشاط بدني على الإطلاق. كما لم يسبق أن يكون الانضمام إلى صفوف/طوابير الانتظار أو ركوب الطائرات على هذه الدرجة من البساطة. وقد حلت محطات اللعب واللهو (play-stations) محل الملاعب، وفيما لم يكن في الماضي أمرا مفهوما ومعقولا تربية الأطفال من دون أن تتاح لهم فرصة ارتياد باحة البيت الخلفية أو ملعب المدرسة، فإن الآثار المخدرة لألعاب الكمبيوتر قد عطلت الحاجة إلى مكان للنمو.

لا يعني هذا أن لا داعي لتكريم الثروة المعرفية الطائلة التي تحويها رقاقة صغروية لما تمثله من قوة الطبيعة. فالتكنولوجيا مهدت الطريق للعقول الفتية حتى تتعرض للمعلومات بطريقة مرعبة حقا، ومن يخالف ذلك يعد مهملا ومقصرا.

مع ذلك، وفي حين قد تؤدي الإنترنت دور المدرس أو المربية أو رفيق اللعب، فإنها تقصر كثيرا عند إيصال الخصائص غير المحسوسة التي نأمل كلنا أن ينمو أطفالنا بها وعليها. فالتقمص الوجداني والشفقة والجسارة والشجاعة والثقة مناقبيات تنشئها وترعاها التجربة الشخصية. فلا شيء قد يحل مكان الأحاسيس اللذيذة الناجمة عن المشي حافي القدمين فوق بقعة باردة في المرج أو الشعور بالرمل بين أصابع قدميك. فالإحساس الذي لا يوصف بالرضى المالح الذي ينتابنا في نهاية يوم من الإجهاد البدني لا يمكن أن يعوضه العدد نفسه من الساعات أمام الكمبيوتر، مهما كان المشروع مجزيا. وليس ثمة بديل ذو معنى لاجتياز خارطة حياتك بمعالمها مع وضع قدم أمام الأخرى والتعلم وأنت تمضي في حياتك.

إن حرمان طفلك من التجارب التي قد يعيشها المرء عن طريق “إجرائها” يعني تعريضه لإساءة خطيرة. وفيما يفترض بالوالدين اليوم الإقرار بالقيمة المتأصلة للكمبيوتر في تربية أطفالهم؛ وكما هي الحال مع غالبية الوجبات الغنية، فإن الأفضل هو وجوب التمتع بها بجرعات معتدلة.

وعوض أن يفترض بالمشاركة نيابة عن كل العالم أن تعرض عبر أجزاء من الصور على شاشة الكمبيوتر، فإن من الضروري تشجيع الأطفال على السفر إلى عمق حياتهم، كما تُعرض لهم مع إشغال المشاركين وتعلم المرح في خلال العملية.

 

Comments

comments

Pin It on Pinterest

Share This