مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي في بيروت – لبنان

image-16274

مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي في بيروت – لبنان

يجري عمليات زرع أجهزة تحت الجلد تشكّل ثورة في علاج حالات الصرع 

استفاد مرضى الصرع من تطور التكنولوجيا بشكل كبير بعد ان تم تطوير عمل أجهزة توضع تحت الجلد، فشكّلت ثورة في علاج حالات الصرع التي لم تتجاوب مع العلاجات الدوائية المتاحة في وقت يستحيل فيه إجراء عملية جراحية لهم لاستئصال البؤرة المسؤولة عن حدوث نوبات الصرع.

الجديد في هذا المجال هو العملية الجراحية التي تمت في مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي في بيروت- لبنان، تم خلالها زرع جهاز جديد هو عبارة عن بطارية توضع تحت الجلد تستشعر تغيرات نبضات القلب والتشنجات الكهربائية في الدماغ ليحصل عندها تعديل لحركة الصرع وتفادي نوبات الصرع في الحالات الصعبة، على ان يتم تركيبها في منطقة الصدر تحت الجلد مباشرة للمريض ويتم وصلها بالعصب الحائر، وهي تنبئ بحدوث النوبات وتحاول توقيفها قبل حدوثها وإذا ما حصلت تخفف من حدتها.

مجلة “المستشفى العربي” التقت رئيس قسم جراحة الدماغ والأعصاب الدكتور بول الحاج، وطبيب الدماغ وداء الصرع عند الأطفال الدكتور غسان حميمص في مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي للوقوف على هذا الانجاز.

رئيس قسم جراحة الدماغ والأعصاب في مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي

د. بول الحاج

”مع التكنولوجيا الحديثة لم يعد هناك من مستحيل“

نود الحديث بداية عن الحالات التي تستدعي التدخل الجراحي لعلاج داء الصرع؟

من المعروف ان من يعاني من داء الصرع دائما يكون علاجه كمرحلة أولى هو العلاج الدوائي، حيث يوجد عدد من الأدوية التي ينبغي تناولها لفترة زمنية محددة وعندما تفشل تلك العلاجات في توفير الاستقرار اللازم للحالة  والحد من حدوث النوبات نلجأ الى الجراحة. الا ان ما بين 60 الى 80 بالمائة من المرضى يتجاوبون مع العلاج الدوائي حيث يلجأ الطبيب الى إعطائه أكثر من دواء.

هلا حدثتنا إذن عن تلك النسبة المتبقية؟ ما هي الخيارات الجراحية المتاحة اليوم؟

 هذه النسبة المتبقية التي لا تتجاوب مع العلاج، يكون خيارنا عندها العمل الجراحي لاسيما في الحالات المتطورة حيث يعاني المريض من نوبات صرع متواصلة. 

وفي مثل هذه الحالات، على المريض ان يخضع لصور طبية مثل الـMRI، الـ SPECT والـ PET SCAN، نحدد من خلالها البؤرة الموجودة في الدماغ والتي تؤدي الى حدوث نوبات الصرع؛ وعلى هذا الأساس، نحدد إمكانية إجراء العمل الجراحي من عدمه وذلك بحسب موقع الضرر وما قد ينتج من مضاعفات جراء هذا التدخل. ثم نلجأ الى استئصال هذا الضرر ويتعافى المريض من داء الصرع.

ما هو الانجاز الجديد اليوم في هذا المجال؟

في ظل وجود بعض الحالات المرضية التي لا تستجيب للعلاج الدوائي ولا يوجد اي ضرر واضح في الدماغ لنقوم بإزالته او لا يمكن إزالته في الأساس، عمدت بعض الشركات الى تطوير جهاز جديد (Vagus Nerve Stimulator) هو عبارة عن بطارية يتم تركيبها في منطقة الصدر تحت الجلد ويتم وصلها بالعصب الحائر بحيث تنبئ بحدوث النوبات وتحاول توقيفها قبل حدوثها وإذا ما حصلت تخفف من حدتها. هذه البطارية كانت في السابق تعمل كل خمس دقائق حوالى ثلاثين ثانية يعني تقريبا 10 بالمائة من الوقت تعطي كهرباء ومن ثم تتوقف. ان هذا العصب الحائر الموصول بالدماغ، يرسل إشارات إلى عدة مناطق في الدماغ، تجعله يفرز مادة اسمها neurotransmitter التي تسهم في الحد من حدوث النوبات او على الأقل تخفف من وطأتها عند حدوثها. وهنا، لا بد من التوضيح إلى ان كل نوبة صرع يسبقها تسارع في نبضات القلب، تلتقطها هذه الآلة الحديثة لحظة حدوثها وقبل حدوث النوبة وتعطي الأمر لتنقل الإشارات الكهربائية الى الدماغ من خلال العصب الحائر لكي يتم فرز مادة اسمها neurotransmitter، ما يؤدي الى، اما التخفيف من نوبة الصرع او اختفائها.  العمل الأساسي يتمركز على العصب الحائر حيث نقوم بتحريره من داخل الرقبة. هذه الآلة تنذر قبل حدوث النوبة من خلال سرعة نبضات القلب فتعطي شحنة كهربائية زائدة على العصب الحائر لينقلها الى الدماغ، فإما تختفي النوبة او تكون وطأتها اخف بكثير.

ما هي طبيعة هذه العملية الجراحية؟ وما هي المضاعفات المتوقعة؟

من حيث الجراحة، تعتبر هذه العملية من العمليات البسيطة غير المعقدة ولكن طبعا لكل عمل جراحي دقته؛ تحتاج الى حوالى ساعة ونصف ومضاعفاتها شبيهة بمضاعفات أي عمل جراحي آخر مثل القليل من الألم مكان الجرح او التهاب وغيرها ولكن كلها أمور بسيطة تزول بمجرد ان يتناول المريض المسكنات او علاج للالتهاب.بعض الجراحات قد يصاحبها تغير في نبرة الصوت لان العصب الحائر مسؤول عن ذلك ولكن سرعان ما يزول مع الوقت.

كيف ترى مستقبل الطب في ظل وجود هذه الثورة في التكنولوجيا؟

يمكن القول اليوم انه لم يعد هناك من مستحيل، ففي الماضي كان علاج داء الصرع مستحيلا؛ الا ان دخول التكنولوجيا والعمل على تطوير هذا النوع من الاجهزة كان له الدور الاساس في شفاء الكثير من مرضى الصرع او على الاقل الحد من حدوث النوبات فتحسنت نوعية حياتهم. واود الاشارة هنا الى ان مؤسسة الـFDA بعد ان أعطت موافقتها على استعمال هذه البطارية لمرضى الصرع، لاحظوا مع الوقت ان نوعية حياتهم تحسنت رغم ان النوبات لم تتحسن فأعادوا الكرّة من جديد بدراسة الحالات وتبين انه يمكن الاستفادة من البطارية لمرضى الاكتئاب حتى لو لم يكن لديهم داء الصرع.

طبيب الدماغ وداء الصرع عند الأطفال في مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي

د. غسان حميمص

”الجهاز الجديد هو علاج ناجح لمرضى الصرع“

بداية نود الوقوف على التعريف الطبي لمرض الصرع؟

الصرع هو عبارة عن نوبات تظهر نتيجة إختلاجات في الشحنات الكهربائية في الدماغ تؤدي الى حدوث نوبات، وعندما يصاب الانسان بنوبتين او اكثر في حياته يتم تصنيفه على انه يعاني من داء الصرع.  انه مرض غير مخيف ويمكن التعايش ولا داعي للهلع عند سماع هذا النبأ، وأود الاشارة هنا الى ان نسبة كبيرة من مرضى الصرع يشفون تماما بعد تناولهم الدواء لمدة قد تصل الى سنتين على ان يعيشوا بعد ذلك حياة طبيعية. 

اذن، يمكن ان يشفى منه المريض؟

كما ذكر الدكتور الحاج، فان ما بين 60 الى 80 بالمائة من مرضى الصرع يشفون منه بعد المواظبة على تناول الأدوية اللازمة والتي نضطر احيانا ان نجمع بين نوعين من الأدوية حسب الحالة المرضية ولمدة قد تصل الى سنتين على ان نتابع الحالة عن كثب ونتأكد من استقرار الحالة قبل ان نخبر المريض بأنه شفي من داء الصرع؛ والأمر هنا يستدعي المتابعة والقيام بالتخطيط والفحوصات اللازمة بين الحين والآخر للتأكد من ان الأمور لا تزال تحت السيطرة.

ماذا عن النسبة المتبقية؟

النسبة المتبقية والتي تبلغ حوالى 20 بالمائة، فان 80 بالمائة منهم يحتاجون الى اكثر من دواء لفترة طويلة تصل إما لخمس سنوات او مدى الحياة؛ ومن هذه النسبة الأخيرة فان 20 بالمائة منها للأسف لا تتجاوب مع أي دواء ونسميها “داء الصرع العنيد” أي عندما لا يتجاوب المريض على أي نوع من انواع العلاجات الدوائية. وهنا، لا داع لأن يكمل المريض العلاج الدوائي ونتجه الى الخيار الجراحي الذي نحدده من خلال الفحوصات والصور الطبية للدماغ على ان يتم ازالة البؤرة المسببة.

هلا حدثتنا عن الحالة المرضية التي خضعت للعملية في المستشفى؟ 

لقد بدأت نوبات الصرع لدى هذه الحالة من عمر السبعة اشهر وانا اقوم بمعاينتها منذ حوالي اربع سنوات؛ وقد وصلت في علاجها الى مرحلة لا ينفع معها الدواء فذهبت الى الخيار الجراحي ولكن أظهرت الصور الطبية انه لا يمكن اجراء العملية لها فكان الخيار الوحيد المتبقي هو زرع البطارية. وهنا، خضعت المريضة الى عملية زرع البطارية على يد الدكتور بول الحاج؛ ومن ثم جاء دوري مباشرة لتشغيلها وتعديلها بشكل يتلاءم مع الوضع الصحي للمريضة. بداية، هذه البطارية موصولة على جهاز كمبيوتر بشكل لاسلكي فأقوم بتمرير هذا الأخير فوق البطارية وابدأ بتشغيلها بحسب حالة المريض وعدد النوبات التي تحدث معه؛ فمثلا يمكن ان اجعلها تعمل لسبع ثوان وتتوقف لدقيقة واحدة في الأربع والعشرين ساعة على ان نزيد عمل البطارية شيئا فشيئا مرة او مرتين في الأسبوع. هذا الجهاز الجديد هو بمثابة العلاج الناجح لحالات الصرع العنيد، حيث من المفترض أن تتراجع النوبات التي تصيب هؤلاء بنسبة 75%.

هل من معايير لعمل هذه البطارية؟ ما هي؟ وما هو الجديد في هذا المجال؟

في الواقع، ان معيار عمل هذه البطارية هو ان يتم زيادة عملها كل أسبوعين بدرجة خفيفة (0.25 أمبير) على ان نصل الى المعدل المطلوب بعد شهرين من زرعها؛ ولكن طبعا دائما نقول للأهل ان النوبات لن تتوقف مباشرة بل الأمر يحتاج الى ستة اشهر كحد أدنى.

ولكن، ما أود الحديث عنه هنا هو انني عملت بخلاف القاعدة وقمت بزيادة المعدل بشكل أسرع من المعايير المتبعة عالميا وهو ما طرحته في آخر مؤتمر عالمي وأحدث ضجة كبيرة وهو زيادة معدل عمل البطارية بشكل دراماتيكي منذ الفترة الأولى لزرعها على ان تصل الى الذروة في عملها في اقل من شهر، وعلّلت ذلك في ان كثرة حدوث النوبات الذي يصل احيانا الى عشر نوبات في اليوم يشكل ضررا اكبر على المريض وعلى خلايا الدماغ التي يموت جزءا منها مع كل نوبة؛ في المقابل، لمَ علينا ان ننتظر كل هذا الوقت؟ وبالفعل كانت النتائج مذهلة وتحسنت حالة المريض بشكل كبيرة منذ الفترة الأولى لزرع البطارية. هذا الأمر لاقى استحسانا كبيرا في آخر مؤتمر عالمي حضرته في فرنسا وقد تم اصدار توصيات جديدة للشركات التي تنتج هذا النوع من البطاريات تقضي بأن يبدأ الطبيب بتشغيل البطارية بمعدل عال منذ البداية ولا داعي للانتظار.

اذن، تمكنت من تسجيل انجاز جديد على مستوى علاج داء الصرع؟

على الطبيب دائما ان يضطلع على العلاجات والابحاث الجديدة المنتشرة في العالم ومن ثم ينبغي عليها ان يضيف شيئا جديدا انطلاقا من خبرته الميدانية لاسيما وانه لدي اكبر عدد من حالات الصرع على مستوى الشرق الاوسط وشمال افريقيا حيث يصل المرضى لديّ الى 150 حالة واكثرها من النوع العنيد ما يتيح الفرصة امامي للإكثار من التجارب التي تفيد المرضى وتحسن نوعية حياتهم. لمَ علينا ان ننتظر غيرنا ليحقق الانجازات الطبية في ابحاثه طالما نحن قادرون على ذلك؟

ماذا عن حياة المريض بعد زرع البطارية؟ كيف يمكن التعايش معها؟

بعد تركيب البطارية وتشغيلها بالمعدل المطلوب، اطلب من المريض المراجعة بعد شهر لأتأكد من ان كل شيء على ما يرام وربما أزيد من معدل عمل البطارية بحسب الحالة على ان يشعر المريض بالفرق الكبير بعد ثلاثة الى ستة اشهر من زرعها. ان حياة المريض تشهد تحسنا نوعيا وهذا ما اثبتته الدراسات، حيث تبين مع الوقت ان المرضى الذين خضعوا لهذه العملية تحسنت نوعية حياتهم بشكل كبير رغم ان البعض لا زال يعاني من نوبات الصرع. هذا الأمر حثّ مؤسسة الـ FDA على اصدار توصيات جديدة تحث زرع البطارية لمرضى الاكتئاب. والدراسات مستمرة في هذا المجال للاستفادة من هذا الانجاز لعلاج امراض اخرى.

التعايش مع البطارية سهل وبسيط جدا ولا يوجد أي داع للخوف منها، وهو ما حث بعض المرضى على تغييرها بعد سنوات؛ فلدي حالتان قمت بتغيير البطارية لهم مؤخرا.  وهنا، أود الاشارة ان هذه البطارية تخدم لحوالي 6 إلى 8 سنوات اذا كانت تعمل بمعدل عشرة بالمائة، اما اذا تم تشغيلها بمعدل اعلى فان عمرها يصبح قصيرا ونضطر الى تغييرها بعد سنتين إلى 4 سنوات. احدى حالات مرض الصرع العنيد اضطررت الى تشغيل البطارية بمعدل 44 بالمائة ما يستدعي تغييرها بعد فترة اقصر.

Comments

comments

Pin It on Pinterest

Share This