نهضة صحية متجددة في تونس

image-17314

نهضة صحية متجددة في تونس

يُظهِر قطاع الصحة في تونس تقدما ملحوظا في التخلص من الشوائب التي لحقت به خلال الفترة الماضية. وقد تم حتى الآن استئناف إنجاز 84 مشروعا من المشاريع المعطلة في القطاع والتي بلغ عددها 148 مشروعا. وقد التزمت وزارة الصحة التونسية بأن تكون 13 من المراكز الوسيطة بمختلف جهات الجمهورية جاهزة قبل نهاية العام 2017، مبدية حرصها على تعزيز الخطوط الأمامية من أجل ضمان خدمات صحية ذات جودة بمختلف الجهات. كذلك فإن القطاع الخاص يساهم في شكل فعال في تحقيق النهضة المنتظرة على صعيد الصحة والإستشفاء في البلاد. 

استطاع  قطاع الصحة في تونس أن يحافظ على صلابته وديمومته طيلة سنوات على غرار القطاع الفلاحي، إذ سجّل أرقاما عالية. ويعدّ القطاع الخاص المصدر الأهم للخدمات الصحية، حيث شهد تطورا ملحوظا طيلة السنوات العشر الأخيرة مسجلا بذلك رقم معاملات كبيرا جدّا وبنسبة 100% كقيمة مضافة للدولة.  يشتمل القطاع العام الصحي في تونس على 2091 مركزا للرّعاية الصّحية الأساسية و174 هيكل استشفاء و3 مستشفيات تابعة لوزارة الدفاع ومستشفى واحد لوزارة الداخلية بطاقة استيعاب لهذه المراكز الصحية تقدّر بـ 19630 سريرا، أي بما يعادل 1.84 سريرا لكلّ ألف ساكن تونسي في السنة. وهناك 4 كليّات طبّ وكلية واحدة لطب الأسنان، وواحدة للصيدلة. في المقابل يحتوي القطاع الخاصّ على81 مصحة بطاقة استيعاب تقدّر بـ 3650 سريرا أي ما يعادل 0.3 سرير لكلّ ألف ساكن تونسي.

تصدير الخدمات الصحية 

يُصنّف قطاع الصّحة في تونس بين أفضل القطاعات الناشطة التي تنمو بنسق سريع وتخلق العديد من الاستثمارات. ونظرا لما تمتاز به البلاد من إمكانيات في القطاع الطبي، يرى القيمون أنه بات من الضروري التفكير في تصدير الخدمات الصحية إلى الأسواق الخارجية ومنافستها. في هذا الإطار لعب القطاع الخاصّ منذ ظهوره دورا فاعلا في التعريف بالخدمات الصحية خارج البلاد واستقطاب العديد من المرضى الأجانب للعلاج، وهو ما ساهم في إنعاش ميزانية الدولة بمبالغ كبيرة من العملة الصعبة، وبناء مشاريع واستثمارات، وخلق فرص عمل. يرى العديد من الخبراء المتابعين لمسار القطاع الصحي التونسي، إنّ لتونس طاقات طبية كبيرة استطاع القطاع الخاص تصديرها خارج البلاد، عبر مشاركته في الندوات والمعارض الدولية. ويؤكدون أنّ القطاعين العام والخاص يعملان معا ولا يمكن الفصل بينهما. فالقطاع العام يقدّم البحوث والإطارات للمصحات، لذلك يجب تغيير العقليات والقَطْع مع “نظرة الدونية” للقطاع الخاص وبناء ثقافة الاتصال والتواصل بينهما. 

ويدعو الخبراء وزارة الصحة إلى ضرورة تكوين الإطارات وتشجيعها على القيام بالبحوث الطبية مطالبين إيّاها بحلّ مشكلة صيانة التجهيزات وإصلاحها حتى تعود الثقة للإطارات للعمل بالمستشفيات العمومية التي كانت تمثّل مرجعا تاريخيا لعدة كفاءات طبية ومحلّ زيارة للأطباء الأجانب إلى تونس منذ عشرين سنة.  وكانت تونس توجهت منذ التسعينات نحو تصدير الخدمات الصحية. وقد عمل صندوق اقتحام الأسواق الخارجية “FAMEX” على مساعدة قرابة 1500 مؤسسة صغرى ومتوسطة للذهاب إلى الأسواق الخارجية. 

كما حقّق  القطاع الخاص نتائج مشرّفة، خلال العام 2013، حيث استقطب قرابة 376 ألف مريض أجنبي.  منهم 11 ألف من أوروبا عدا عن الدول المجاورة ودول أفريقيا. في حين بلغ رقم المعاملات حوالى 477 مليون دينار من العملة الصعبة من الناحية الطبية فقط. لكن  وباحتساب المصاريف الأخرى حسب دراسة اقتصادية يصبح الرقم النهائي للمعاملات في حدود 580 مليون دينار. 

وجهة إستشفائية واعدة

يختار المريض الأجنبي تونس كوجهة صحية لجودة الخدمات والكفاءات الطبية وقرب المسافة. وقد أظهرت الدراسات التي أنجزت حول مجموعة من المرضى رضاهم عن الخدمات المقدمة والنتائج المحققة. وجاءت نتائجها لناحية السبب وراء اختيارهم تونس كوجهة استشفاء بنسبة: 27% للكفاءات والمهارات الطبية. و26% لأنها بلد قريب. و15% لجودة العلاج. و8% للتخاطب بنفس اللغة. و7% لحسن الاستقبال. و94% إمكانية العودة إلى تونس.  ولذلك يقصد المريض الأجنبي تونس للعلاج نظرا للكفاءة الطبية ولجودة الخدمات التي تعرض بسعر منخفض جدا، أي ما يعادل تكلفة علاج 3 أو 4 مرات في أوروبا…

 

تونس قرطاجنة

يعد المركز الاستشفائي الدولي “تونس قرطاجنة” المفتتح حديثا، واحدا من أبرز المصحات التي فتحت أبوابها في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. وهو مشروع تونسي 100% وتمويله تونسي بكلفة استثمار تفوق 60 مليار دينار. ويتناسق تصميمه مع المعايير الدولية من حيث ظروف العمل والإقامة.  ويشتمل المركز على القسم النهاري الذي يتواصل مع المناظير والقسم الاستعجالي وقسم الجراحة اليومية والأمراض السرطانية وقسم التوليد الذي يتفرع إلى  جناح الإقامة، وغرفتي جراحة قيصرية، وقسم إنعاش الرضع، وقسم القلب، و14 غرفة للعمليات الجراحية مجهّزة بالتهوئة للتصدي للأمراض المتنقلة، وتبلغ طاقته الاستيعابية 250 سريرا. يقول القيمون عليه إنهم يطمحون إلى أن يكون لهذا المشروع إشعاع دولي، مشددين على أنهم سوف يسهرون على تقديم خدمات ذات جودة عالية تستجيب لحاجات المريض.

مصحة الياسمين

ومنذ فترة ليست ببعيدة كان تم افتتاح مصحّة الياسمين بالمركز العمراني الشمالي، وهيّ مؤسسة خاصّة تسعى لتقديم مجموعة متنوّعة من الخدمات الصحيّة المتخصّصة والمتكاملة بفضل هندسة معماريّة متطوّرة وتنظيم رفيع المستوى ومعدّات تقنيّة متطوّرة.وتظم 11 غرفة عمليّات جراحيّة مجهزة بأحدث المعدّات التّقنيّة وهي تلبّي المواصفات العالميّة للنظافة والتعقيم ومعالجة الهواء ممّا يخلق بيئة مثاليّة للأطبّاء والعاملين في المجال الصحّي والمرضى على حدّ سواء. وإلى جانب ذلك تضم منظومة طبيّة تقنيّة تتكوّن من:

– أكبر مركز للمساعدة على الإنجاب وطفل الأنبوب في تونس.

– قسم ولادة متكامل.

– وحدة عناية مركّزة لحديثي الولادة والأطفال.

– وحدة عناية مركّزة للكهول.

– وحدة تنظير داخلي متعدّدة الاختصاصات.

– أوّل قسم لاستكشاف النّوم في تونس.

– قسم لاستكشاف القلب.

– مركز تصوير طبي متكون من جهاز رنين مغناطيسي وجهاز الكشف المقطعي سكانير وجهاز لقياس كثافة العظام والكشف بالصّدى والتّصوير الشّعاعي الرّقمي للثّدي.

– قسم استعجالي على درجة عالية من التّنظيم والتّجهيز، متاح 7/7 و24/24 مع مراقبة طبيّة مستمرّة.

تساهم المصحّة التي تمتدّ على مساحة 20 ألف متر مربع وسبعة طوابق في تلبية حاجة التونسيين المتزايدة إلى الرعاية الصحيّة. هذا فضلا عن حاجة الشعوب المغاربية والأوروبية وإفريقيا جنوب الصحراء. تعتمد المصحة على طاقم متكون من 450 إطارا وعاملا وتتعامل مع عديد المئات من الأطباء المختصّين والعامين وأطبّاء العائلة. وإضافة إلى تعدّد الاختصاصات، تعدّ الكفاءات الطبية وشبه الطبيّة واللوجستيّة موطن قوّة مصحّة الياسمين إذ أنّها تسمح بتوفير خدمات صحيّة سريعة فعّالة ومتكاملة.

مصحة النرجس

كذلك المصحة الدولية الخاصة النرجس التي تم افتتاحها في أيار / مايو الماضي بدائرة النصر 2 من ولاية اريانة. وهي مصحة متعددة الاختصاصات وذات مواصفات عالمية. تصل طاقة استيعابها الى اكثر من 100 سرير و7 قاعات عمليات جراحية مجهزة باحدث التجهيزات والمعدات المتطورة. كما توفر اقساما استشفائية تشمل الاستعجالي والامراض الباطنية، الجراحة العامة والمختصة، امراض القلب، العلاج الطبيعي والتأهيل الوظيفي، قسم الولادة وامراض النساء، قسم الام والرضيع، قسم التصوير الطبي، وتمتد مساحة المصحة على حوالي 8500 متر مربع.

بلغت تكلفة المشروع حوالي 30 مليون دينار في حين تستقطب مصحة النرجس اكثر من 200 فرصة عمل لفائدة اطارات طبية من حاملي الشهادات العليا وتقنيين سامين من بينهم خريجو مراكز التكوين المهني في اختصاصات شبه طبية، وتسعى المصحة إلى أن تصبح واحدة من أكبر مراكز الرعاية الصحية في شمال افريقيا.

السياسة الصحية

يعتبر الحق في الصحة حقاً كونيا يضمن دوليا ووطنيا لكل البشر. وقد ضمنت المعاهدات الدولية التي صادقت عليها تونس هذا الحق، على غرار “اتفاقية التعاون” بين تونس ومنظمة الصحة العالمية لسنة 2009 المتعلقة بإنجاز مشروع «OPTIMIZE» خلال الفترة 2010-2012 بقصد ترشيد التصرف في التلاقيح. كما تعاونت تونس في نفس المجال سابقاً مع الصندوق العالمي لمكافحة السيدا والسل والملاريا لتتحصل منه على مساعدة بتسعة ملايين دولار بعنوان المرحلة الأولى للمشروع الهادف إلى مزيد دفع وتفعيل الخطة الوطنية لمكافحة مرض السيدا، ومساعدة ثانية بسبعة ملايين دولار لفائدة مشروع مكافحة مرض السل.

وبعد ثورة 14 كانون الثاني / يناير 2011، أقر دستور الدولة التونسية الجديدة في فصله 38 أحقية كل إنسان في الصحة بما في ذلك الوقاية، الرعاية والعلاج الذي سيكون مجانيا لذوي الدخل المحدود وفاقدي السند. وتسعى الدولة إلى تقديم هذه الخدمة بجودة محترمة تراعي ظروف المواطنين واحتياجاتهم.

ودعما لذلك وبهدف إنجاح القطاع، سعت الجمعية التونسية للدفاع عن الحق في الصحة من خلال تقريرها حول ألحق في الصحة في تونس، المؤرخ في أكتوبر 2016، إلى تحديد أهم العقبات التي تمنع المواطنين من ممارسة حقهم على أكمل وجه والولوج إلى مستشفيات تمكنهم من الدواء وليس الداء. وهكذا تمكنت البلاد من تحقيق نقلات متقدمة على هذا الطريق سعيا  لبلوغ الأهداف المتوخاة بتأمين أفضل خدمات صحية للمواطنين والوافدي.

Comments

comments

Pin It on Pinterest

Share This