أمراض القلب لدى الأطفال

تطورات علاجية وجراحية شكّلت بارقة أمل

أمراض القلب لدى الأطفال

يوجد الكثير من الأطفال ممن يعانون من أمراض القلب منها ما هو خلقي ومنها ما هو مكتسب أي أن الطفل يصاب به نتيجة عوامل معينة. التطورات الطبية في مجال أمراض القلب لدى الأطفال كان ملحوظا في السنوات الأخيرة بفضل التقدم الطبي الحاصل سواء على مستوى الجراحة أو على مستوى العلاجات إضافة الى توافر الكثير من المستشفيات المتخصصة بطب الأطفال نظرا لحساسية التعامل مع هذه الشريحة العمرية وأهمية حصولها على رعاية صحية متميزة.

القلب إذن ينقسم إلى أربع حجرات مجوفة، اثنتان يميناً واثنتان يساراً، لضخِّ الدم لجميع أنحاء الجسم. يستخدم القلب جانبيه الأيمن والأيسر لمهام مختلفة، ينقل الجانب الأيمن من القلب الدم إلى الرئتين عبر أوعية دموية تسمى الشرايين الرئوية، ثم في الرئتين ينقل الدم الأوكسجين ثم يعود لجانب القلب الأيسر عبر الأوردة الرئوية. بعد ذلك يضخ الجانب الأيسر من القلب الدم المُحمل بالأوكسجين عبر الشريان الأبهري إلى سائر أنحاء الجسم. خلال الأسابيع الأولى من الحمل، يبدأ القلب بأخذ شكله ويبدأ بالنبض، كما تتكون الأوعية الدموية الرئيسية التي تمتد من القلب وإليه. في هذه المرحلة يمكن أن تنشأ عيوب القلب الخلقية. أما أمراض القلب المكتسبة فقد تحصل بعد أشهر أو سنوات.

من أبرز الأسباب التي يمكن ان تؤدي الى إصابة الجنين بمرض خلقي في القلب هو حمل الأم في عمر متقدم، أو إصابتها بالسّكري حيث ان العيوب الخلقية القلبية تمثل نحو 50% من العيوب والتشوهات التي تصيب الجنين بسبب مرض السكري عند الحامل وذلك بسبب ارتفاع نسبة السكر في الدم عند الأم الحامل وما يترتب عليه من تغيرات كيميائية. زيادة إفراز الغدة الدرقية كذلك يعتبر أحد الأسباب، مسببة نقصا في نمو الجنين وقد تؤدي إلى الولادة المبكرة؛ كما أن لها تأثيرا قويا على قلب الجنين لأنها تسبب زيادة نبضات القلب والإسراع منها. مرض الذئبة الحمراء هو من أسباب أمراض قلب الأطفال أثناء الحمل، وهو مرض مناعي يصيب الحامل مسببا الإجهاض المتكرر والولادة المبكرة، إضافة الى ولادة طفل ناقص النمو أو مشوه. تظهر الأعراض خلال السنوات الأولى من حياة الطفل والتي تتضمن التنفس السريع و ازرقاق لون البشرة، الشخير أثناء التنفس، تورم في الساقين والبطن أو المناطق حول العينين، وعدم القدرة على التنفس بشكل جيد لاسيما أثناء تناول الطعام.

عيوب القلب الخلقية لدى الأطفال

في مثل هذه الحالات، تكون المشكلة في بنية القلب حيث يولد الطفل بهذه الحالة. فالقلب يتكون في أسابيع الحمل الاولى لتبدأ عملية النبض وتكوين الأوعية الدموية الكبيرة التي تمر من وإلى القلب، وقد يبدأ تطور العيب الخلقي في القلب. 

لم يتوصل الباحثون الى معرفة السبب الحقيقي، لكن يرجحون ان يكون السبب له علاقة بالجينات او بتناول بعض الادوية او ربما بسبب التدخين.

يوجد العديد من أنواع العيوب الخلقية في القلب، وتنقسم على النحو التالي:

  • ثقب بين الجدران التي تفصل غرف القلب او بين الاوعية الدموية الرئيسية، ما يؤدي الى اختلاط الدم قليل الأوكسجين مع الدم المشبع بالأوكسجين. والنتيجة تكون نقصا في كمية الأوكسجين المحمولة الى الجسم. تظهر عوارض هذه الحالة من خلال تغير لون بشرة الطفل أو أظافره تميل الى اللون الازرق. ثقوب القلب لدى الطفل قد تؤدي الى الإصابة بفشل القلب الاحتقاني. 
  • شذوذ صمامات القلب بحيث أنها لا تستطيع أن تفتح وتغلق بصورة صحيحة، وبالتالي لا يتدفق الدم بسهولة. من الامثلة على مثل هذه الحالة مرض الرتق الرئوي الذي يحدث عندما يكون الصمام الرئوي مفقودا فيتسبب في حدوث شذوذ فى تدفق الدم إلى الرئتين، أو مرض شذوذ إيبشتاين الذي يحدث عندما يكون الصمام ثلاثي الشرفات، الذي يقع بين الأذين الأيمن والبطين الأيمن، مشوها ويقوم بالتسريب. 
  • شذوذ الأوعية الدموية أو خلل فيها، فيصاب الطفل بمرض يُعرف بتغير وضع الأوعية الكبيرة وذلك عندما يتواجد الشريان الرئوي والشريان الأورطي في الجهة الخاطئة من القلب. أو ربما تحدث حالة مرضية أخرى تُعرف بضيق الأبهر أو ضيق الشريان الأورطي وذلك عندما يصبح وعاء الدم الرئيسي المسؤول عن توصيل الدم لأجزاء الجسم ضيقاً. وتحدث حالة مرضية أخرى تُعرف بشذوذ الاتصال الوريدي الرئوي عندما يتم توصيل الأوعية الدموية الرئوية إلى الجهة الخاطئة من القلب.
  • رباعية فالو وهي حالة نادرة تنتج عن مزيج من أربعة عيوب خَلقية في القلب، هي ثقب في الجدار الفاصل بين البطينين، وجود ممر ضيق بين البطين الأيمن والشريان الرئوي، وجود تغير في التوصيل بين الشريان الأورطي إلى القلب، تضخم العضلة الموجودة فى البطين الأيمن. تتسبب  هذه الحالة في تدفق الدم قليل الأوكسجين خارج القلب إلى باقي أجزاء الجسم، وعادةً ما يميل جلد الرضع والأطفال المصابين برباعية فالو إلى اللون الأزرق، لعدم حمل الدم كمية كافية من الأوكسجين.

بعض أنواع عيوب القلب الخلقية لا تسبب أي أعراض، ولكنها قد تظهر في وقت لاحق من الحياة، وتتمثل تلك الأعراض في عدم انتظام ضربات القلب أو تغير لون الجلد والشفتين والأظافر الى اللون الأزرق، ضيق في التنفس وتعب بسرعة عند بذل مجهود، أو تورم في أنسجة الجسم أو الأعضاء. تأثيرات عيوب القلب الخلقية طويلة المدى على صحة الطفل، ويتم العلاج بالجراحة وإجراءات القسطرة والأدوية، وفي الحالات الشديدة يحتاج بعض الأطفال إلى علاج ومراقبة مدى الحياة.

خلل في كهربية القلب

وجود خلل في كهربية القلب يعتبر مرض خلقي يصيب الأطفال أو حديثي الولادة يصاحبه عيوب خلقية في القلب مثل وجود ثقوب بين الأذينين أو البطينين أو بعد إجراء جراحة قلب مفتوح لإصلاح العيوب الخلقية في القلب. بعض الحالات قد تشكل خطرا على صحة الطفل ما يستدعي التدخل الطبي الفوري عبر العلاج الدوائي حيث يصف الطبيب أدوية مضادة للاختلال الومضي العصبي؛ أو يتم إجراء قسطرة يُطلق عليها اسم القسطرة التداخلية الكهربية ويتم من خلالها علاج البؤرة الكهربية؛ وربما الجراحة في بعض الأحيان لعزل البؤرة الكهربية المختلفة في بعض الحالات، إلى جانب منظم ضربات القلب بإستخدام القسطرة القلبية. قد يكون هذا المرض بسيطا ويحدث في فترات متباعدة، أو متقدما فيعاني منه الطفل يوميا او اسبوعيا. بعض الحالات تظهر مباشرة بعد الولادة وبعض الحالات الأخرى تظهر بعد عمر الخمس سنوات.

التهاب التامور

شغاف القلب الذي يُعرف بالتّامور هو كيس رقيق يحيط بالقلب، لديه العديد من الوظائف المهمّة مثل حفظ القلب داخل التجويف الصّدري ومنعه من التمدّد الزائد ومن الامتلاء الزائد بالدّم. وظيفة التامور كذلك تكمن في أنه يليّن القلب ويحميه من الإحتكاك مع الأنسجة المحيطة به خلال النبض، كما يحمي القلب من أيّ عدوى قد تنتشر من الأعضاء المجاورة للقلب. يؤدي التهاب التامور إلى زيادة كميّة السّائل بين طبقتي التّامور الدّاخلية والخارجيّة، ينتج عنه الضغط على القلب؛ يتداخل هذا الضغط والتورّم مع قدرة القلب على العمل بشكل طبيعي.  يحدث التهاب شغاف القلب لدى الأطفال على الأرجح بعد جراحات إصلاح عيوب القلب الخلقية أو بسبب أمراض القلب المكتسبة. كما يمكن ان تحدث هذه الحالة لأسباب اخرى مثل العدوى الفيروسيّة، أو البكتيريّة، أو الفطريّة، أو الطفيليّة، أو بسبب إصابات الصّدر، أو اضطرابات النّسيج الضامّ، أو الذئبة، وفي بعض الحالات النادرة قد يحدث التهاب شغاف القلب بسبب الأدوية، أو السّرطان.

هناك نوعان من التهاب التامور، الالتهاب الحاد الذي يتطور بسرعة والالتهاب المزمن الذي يتطور بشكلٍ تدريجي. وتكون الأعراض على شكل ألم حاد في الصدر، وأحيانًا يمتدّ الألم إلى عظم التّرقوة، والرّقبة، والكتف. قد يعاني الطفل من زيادة الألم في مركز الصّدر أو في الجانب الأيسر من الصّدر عند أخذ الطّفل نفس عميق، أو عند السّعال. يمكن ان يحدث حمّى طفيفة لدى الطفل، أو عدم انتظام ضربات القلب وضيق في التّنفس والتّعب والإعياء.

 يختلف العلاج بحسب العامل المسبب، لكن الطفل بحاجة الى البقاء في المستشفى ويحتاج الى مضادات الالتهاب لمنع تجمع السائل داخل جوف التامور، كما يُعطى الطفل المسكنات والكورتيزون. في حال معرفة السبب يجب علاجه وإزالته. 

روماتيزم القلب

روماتيزم القلب من الأمراض الأكثر انتشارا بين الأطفال، أغلب الحالات تحدث بسبب الميكروب السبحي الذي قد يؤدي إلى الإصابة بالحمى الروماتيزمية التي تصيب القلب في بعض الحالات وتؤثر على صمامات القلب في حالات أخرى.

هذا المرض يمكن أن يؤدي إلى تلف صمامات القلب وعضلة القلب بشكل خطير ودائم، عن طريق التسبب في التهاب عضلة القلب، ما يستدعي التدخل الطبي الفوري للحد من المخاطر والمضاعفات التي يمكن ان تصيب الطفل.

تبدأ علامات الحمى الروماتيزمية عادة بعد أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع من التهاب البلعوم أو اللوزتين، فتسبب ارتفاعا في الحرارة وآلاما والتهابات انتفاخا في عدد من المفاصل، وتبدو المفاصل المصابة حمراء، منتفخة، ساخنة ومؤلمة عند الحركة. من الأعراض التي تُنذر باحتمالية إصابة الطفل بروماتيزم القلب سرعة ضربات القلب، وحركات عضلية لا إرادية، فضلًا عن أن التحاليل والفحوصات تشير إلى وجود احمرار في المفاصل، وسرعة ترسيب.

التشخيص المبكر لإصابة الطفل بالميكروب السبحي هو خط الحماية الأول من تطور الحالة، والعلاج هنا يتمثل في المضادات الحيوية، لكن إذا وصلت الإصابة للمفاصل أو القلب فالعلاج يعتمد على حقن البنسلين طويل المفعول. الحالات الحادة من الحمى الروماتيزمية يعتمد علاجها على الأسبرين والكورتيزون خاصة إذا أثرت على القلب؛ عندها يجب مراقبة القلب لمعرفة ما إذا كانت الحالة المرضية قد خلّفت آثارا سلبية على عمل الصمامات ام لا، ففي حال وجود ضيق أو ارتجاع في الصمام لابد من التدخل طبيا عن طريق القسطرة لتوسيع الصمامات.

علاجات متطورة

لا شك أن التطور الطبي في مجال أمراض القلب انعكس على العلاجات بشكل كبير الى حد يمكن القول ان امراض القلب وعلاجاتها كانت من أكثر المجالات التي استفادت من التطور الطبي الحاصل في العقود الأخيرة إن على مستوى العلاجات الدوائية أو على مستوى الجراحات، فضلا عن تطور وسائل التشخيص والوعي الكبير لدى الحوامل من حيث مراقبة الجنين وكذلك المتابعة بعد الولادة لدى الطبيب المختص، مع التأكيد دوما على المتابعة الدورية لدى الطبيب وعدم التساهل بالإرشادات والنصائح.

بالنسبة للعلاجات الدوائية، فهي تساعد عضلة القلب في تأدية مهامها بشكل أفضل ومن هذه الادوية مدرات البول لتقليل كمية السوائل في الدم وبذلك يقلل العبء على القلب عن طريق ضخ كمية أقل من الدم، أو مخفضات ضغط الدم. يوجد بعض الأنواع من الأدوية يتم اعطاؤها للطفل عن طريق الوريد تسمح بفتح القناة الشريانية بين الأورطي والشريان الرئوي والأدوية المقوية لعضلة القلب والتي تعطى عن طريق الوريد ودواء الأسبرين للمحافظة على سيلان الدم.  أما العلاج بواسطة الجراحة، فقد شهد هذا المجال تطورات ملحوظة، فبعد ان كان حوالى 30% من الأطفال يموتون خلال عمليات القلب المفتوح في السبعينيات فإنها تصل إلى اقل من 5% في الوقت الحاضر. 

ومع تطور القسطرة الطبية أمكن القيام بالكثير من الإجراءات الطبية لمعالجة بعض أمراض القلب الخلقية بدون جراحة. ومن أشهر هذه الطرق توسيع الصمامات عن طريق وضع كيس قابل للنفخ في طرف أنبوب القسطرة. 

وأيضا عمل فتحة صناعية في الجدار الفاصل بين الأذينين للسماح بدخول الدم من البطين الأيسر إلى اليمن. وعملية سد القناة الشريانية أو سد الثقوب عن طريق وضع سدة طبية خلال القسطرة. التغذية السليمة من الأمور التي يجب الحرص عليها واستشارة طبيب الأطفال وأخصائي التغذية لتقديم النصائح والتوجيهات لتقوية بنية الطفل وتجاوز مشاكل الرضاعة. كما أن البنية الضعيفة أو سوء التغذية لها تأثير سلبي على صحة الطفل، وقد تؤخر إجراء العمليات الجراحية التصحيحية لذلك يجب الانتباه لها. 

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *