الطب الوقائي

الطب الوقائي

علاج لتجنّب العلاج

تضع الحكومات والمؤسسات الطبية في شتى دول العالم، الطب الوقائي على رأس سلم أولوياتها نظرا لدوره المهم في توفير السبل والآليات التي تحمي المجتمع بشكل عام من خطر الإصابة بالأمراض لا سيما المعدية. ويؤدي هذا الإجراء إلى تقليل احتمال التعرض للإصابة، عبر وضع آليات وقائية تحد من إنتشار تلك الأمراض والأوبئة، أو تعالجها في بداياتها وقبل استفحالها، فلا تستدعي العلاج أو دخول المستشفى. وهناك أساليب عدة لبلوغ ذلك تراوح بين المبادرة الشخصية والإستعانة بالطبيب أو المنشورات التوجيهية وحملات التوعية.

الإهتمام بالنظافة الشخصية والإبتعاد عن أماكن الأوبئة واللقاحات واتّباع نمط الحياة الصحي وممارسة الرياضة وغيرها من الممارسات اليومية، تصب كلها في إطار الإجراءات الوقائية من الأمراض، وهو ما يتم التركيز عليه من قبل حملات التوعية التي تحث المجتمع على تبني تلك الأنماط. الى جانب ذلك، يسهم إجراء الفحوصات الدورية في الكشف المبكر عن أي مشكلة صحية ليتم تداركها فورا قبل استفحالها. ويهدف الطب الوقائي الى وقاية المجتمع من إنتشار الأوبئة عبر اتخاذ إجراءات سريعة منعا لحدوثها او انتشارها، ورفع مستوى الصحة العامة والمحافظة على حياة الأصحاء والمرضى.

الرعاية الصحية الأولية تأتي ضمن أولى اهتمامات الطب الوقائي، حيث يتم في هذه المرحلة اتخاذ التدابير التي تسهم الى حد كبير في منع حدوث المرض وذلك من خلال اتّباع جدول اللقاحات المعتمد من قبل الحكومة بحسب كل دولة وفق ما تحدده منظمة الصحة العالمية، بالإضافة الى توعية المجتمع حول أهمية نظافة اليدين وغسلهما جيدا لأنهما الخطوة الأولى لنقل البكتيريا والجراثيم؛ ومن ضمن المهام الموكلة الى أقسام الرعاية الصحية الأولية حث المجتمع على الإبتعاد عن كل ما من شأنه أن يسبب الأمراض والمشاكل الصحية مثل التدخين وتدخين النرجيلة وغيرها من العادات غير الصحية. اما الرعاية الثانوية، فهي بدورها تدخل ضمن إطار الطب الوقائي، ويقع على عاتقها مهمة الكشف عن الأمراض والبحث عن علاجات مبكرة لها لمنع حدوث مضاعفات؛ ويتم ذلك عبر إخضاع المريض للعلاج بواسطة أدوية الالتهاب وإخضاعه لفحوصات دورية للكشف المبكر عن أي مرض لا سيما السرطان كما هو الحال لمريضات سرطان الثدي حيث ينبغي أن تخضع السيدة لصورة الماموغرافي سنويا من دون أي أعراض لمجرد أنها تخطت الأربعين. في إطار الطب الوقائي ايضا، نجد ما يسمى بالوقاية المتطورة عبر التقليل من احتمال حدوث المرض لتجنب مضاعفاته التي يمكن أن تكون عواقبها وخيمة، مثل الوقاية من مضاعفات الأمراض المزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول. يعتقد البعض أنه لا فائدة من الطب الوقائي ولا يمكن تطبيقه لاعتبارات عدة أولها أنهم لا يشكون من أي ألم او عارض صحي وبالتالي لا داعي لزيارة الطبيب للبحث عن المشكلة الصحية، وثانيها اعتقادهم أن الأمر سيكون مكلفا.  إلا أن التجربة أثبتت عكس ذلك، فالتجارب العديدة في الدول المتقدمة وبعض دول الخليج التي تبنت سياسة الرعاية الصحية الأولية توصلت الى فوائد عديدة لجهة وقاية المجتمع من الكثير من الأمراض عبر رفع مستوى الوعي الصحي. والاهم من ذلك بالنسبة للحكومات هو إنخفاض كلفة الفاتورة الصحية لأن كلفة الوقاية من المرض أقل بكثير من كلفة العلاج ومضاعفاته

نواة النظام الصحي

بحسب منظمة الصحة العالمية WHO، فإن الرعاية الصحية الأوّلية هي الرعاية الصحية الأساسية التي تُتاح على نحو شامل للأفراد والأسر في المجتمع المحلي بوسائل يمكنهم قبولها وبمشاركتهم الكاملة وبتكاليف يمكن لأفراد المجتمع المحلي وسكان البلد قاطبة تحمّلها. وتلك الرعاية هي جزء لا يتجزّأ من نظام البلد الصحي، إذ هي تمثّل نواة ذلك النظام، ومن مجمل التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع المحلي. ومن الأهداف الإستراتيجية للرعاية الصحية الأولية التقليل من عبء الأمراض على المجتمع وتحسين نوعية حياة الأفراد عبر توفير خدمات صحية وقائية بالدرجة الاولى، ومن ثم علاجية وتأهيلية لجميع فئات الأعمار؛ ويتم ذلك من خلال اتباع خطوات عدة تكون بدايتها في التصدي للأمراض المعدية وتلك غير المعدية، وتفعيل الرعاية الصحية للأم والطفل والمسن، الى جانب تفعيل الرعاية الصحية لذوي الاحتياجات الخاصة وتعزيز الصحة وحث المراهق على اتّباع الإجراءات الواقية من الأمراض من خلال نمط الحياة الصحي.

يمكن الوصول الى هذه الغاية من خلال توفير الخدمات التالية:

نشر التوعية الصحية والوقائية

وضع الحلول المناسبة للسيطرة والقضاء على المشاكل الصحية.

ضمان التغذية الجيدة.

تقديم خدمات الأمومة والطفولة.

التطعيم والتحصين ضد الأمراض المعدية خاصة أمراض الطفولة.

مكافحة الأمراض السارية (المعدية والمتوطنة) والسيطرة على انتشارها.

علاج الأمراض الشائعة في المجتمع.

إجراء العمليات الجراحية الأساسية.

توفير الأدوية الأساسية.

تهدف الرعاية الصحية الأولية الى تقوية الخدمات الصحية المقدّمة لجميع فئات المجتمع عن طريق تنمية شراكات منتجة ومستمرة مع الجهات المعنية وتحقيق نتائج صحية أفضل وذلك من خلال توثيق التعاون والتنسيق بين القطاعين العام والخاص ودعم المشاركة بينهم، والتنسيق والتعاون مع المنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني وكل من هو معني بالرعاية الأولية.

من الأمور التي تندرج ضمن إطار عمل الرعاية الصحية الأولية ايضا تحسين اتخاذ القرارات والتخطيط عن طريق توفير المعلومات الصحية لجميع العاملين الصحيين وبصورة واضحة ودقيقة وصحيحة وفي الوقت المناسب، وإعداد هيكل تنظيمي داعم عن طريق تعزيز وضع الرعاية الصحية الأولية في الهيكل التنظيمي لوزارة الصحة، وتخصيص ميزانية مستقلة لخدمات الرعاية الصحية الأولية وبرامجها، ووضع وتطوير نظام معلوماتي الكتروني متكامل لأنشطة وخدمات الرعاية الصحية الأولية. كفاءة العاملين في هذا المجال تعتبر من أساسيات نجاح استراتيجية عمل الرعاية الصحية الأولية، حيث أنه ينبغي توفير بيئة عمل مناسبة والحفاظ على مستوى أدائهم بما يتماشى مع أفضل المعايير الدولية وذلك من خلال إعداد نظام معتمد وموثق لبرامج تدريب العاملين والتوسع في برامج طب الأسرة والمجتمع بدرجاتها العلمية المختلفة.

أساليب الوقاية

تدخل اللقاحات ضمن أساسيات الطب الوقائي نظرا للدور الذي تقوم به لجهة الوقاية من الإصابة بالأمراض، واليوم يوجد الكثير من تلك الأمراض التي لم نعد نسمع بوجودها او انتشارها والتي شكلت في مرحلة من المراحل أوبئة راح ضحيتها الكثير من الناس، منها شلل الأطفال. تعمل اللقاحات على حماية الأطفال من الإصابة ببعض الأمراض المعدية ومن مضاعفاتها الخطيرة، وبالتالي تؤدي الى مجتمع معافى خال من هذه الأمراض المعدية والأوبئة التي تسببها. أما آلية عمل اللقاحات فتكمن في أنها تؤدي مفعولها في تكوين الأجسام المضادة بعد عدة شهور، ولكن مفعولها يدوم لفترة طويلة، قد تكون مدى الحياة حيث تسهم في اكتساب مناعة ضد الإصابة بالأمراض. إنها هي الطريق الأفضل لضمان صحة أفضل للطفل من خلال توفيرها للوقاية الفعلية من الأمراض ومنع حدوثها، حيث انها تعمل على تقوية جهاز المناعة عن طريق تحفيزه لإنتاج أجسام مضادة للمرض، فعندما تدخل الميكروبات الجسم، يقوم جهاز المناعة بإنتاج أجسام مضادة لمحاربة هذه الميكروبات، بهدف حماية الجسم. وإذا تعرض الجسم مرة أخرى لنفس الميكروب، فستقوم الأجسام المضادة بالتصدي له.

من اللقاحات المتاحة للحماية من الإمراض لقاح بي سي جي (BCG) يحمي من مرض الدرن الرئوي، ويعطى هذا اللقاح عند الولادة أو خلال أول شهرين؛ ولقاح دي تي بي (DTP) وهو لقاح مركب يحمي من الأمراض الثلاثة الخناق والكزاز والسعال الديكي؛ ولقاح الدفتيريا والكزاز ولقاح شلل الأطفال (Polio)، ولقاح الحصبة ولقاح (MMR) وهو لقاح مركب يحصن ضد الحصبة والنكاف والحميراء، وكذلك لقاح HepB: لقاح التهاب الكبد الوبائي (ب) ولقاح HiB يحمي الجسم ضد التهاب السحايا، ولقاح HepA وهو لقاح التهاب الكبد الوبائي (ا) الذي يحمي من الإصابة بالتهاب الكبد الفيروسي (أ).

إن حصول الأطفال على اللقاحات اللازمة على قدر عال من الأهمية لدوره في الوقاية من الأمراض المعدية، وخصوصاً انها تقي الأطفال من المضاعفات المميتة والإعاقات التي قد تحصل من المرض نفسه. صحيح انه يوجد قسم من الأطفال الملقحين قد يُصابون بالمرض، ولكن عندها تكون العوارض خفيفة ومن دون تسجيل أي عواقب وخيمة مثل الإعاقات التي قد تحصل مع غير الملقحين لا سيما في حال الإصابة بشلل الأطفال.

للكبار أيضا

معلوم أن اللقاحات لم تعد محصورة اليوم بالأطفال، حيث بتنا نسمع عن ضرورة متابعة جدول اللقاحات للوقاية من الكثير من الأمراض؛ ونأتي هنا على ذكر لقاح سرطان عنق الرحم حيث ان التطور الطبي كان كفيلا بالتوصل الى لقاح يقي من الإصابة بأكثر أنواع هذا الفيروس التي تسبب 70% من حالات سرطان عنق الرحم، بعد أن قامت منظمة الدواء والغذاء الأميركية (FDA) بالتصديق على استخدام اثنين من اللقاحات داخل الولايات المتحدة، جارداسيل وسيرفاريكس اللذين يسهمان في منع الإصابة بمعظم حالات سرطان الرحم إذا تم حقنه للمرأة أو للفتاة قبل تعرضها للفيروس. هذان اللقاحان لديهما القدرة على الوقاية من معظم حالات سرطان المهبل والفرج لدى النساء، وبإمكان لقاح جارداسيل منع الثآليل التناسلية لدى الرجال والنساء. يُنصح بإعطاء جارداسيل وسيرفاريكس للبنات والأولاد من سن 11 إلى 12 سنة، ومن المهم إعطاء اللقاح للأولاد والبنات قبل حدوث اتصال جنسي وقبل التعرض للإصابة بفيروس الورم الحليمي البشري. بمجرد حدوث العدوى، قد يفقد اللقاح فاعليته؛ وإذا لم يتم تطعيمهم كليا في سن 11 إلى 12 سنة، تنصح مراكز مكافحة الأمراض والوقاية (CDC) بإعطائه للبنات والنساء في سن 26 سنة وللأولاد والرجال في سن 21.

يتم حقن أي من اللقاحين في صورة ثلاث جرعات على مدار ستة شهور. يتم إعطاء الجرعة الثانية بعد شهر أو اثنين من حقن الجرعة الأولى، ويتم إعطاء الجرعة الثالثة بعد ستة شهور من الجرعة الأولى. على صعيد آخر، فإن زنّار النار الأكثر انتشاراً بين كبار السن يمكن الوقاية منه بواسطة اللقاح، حيث تمكن العلماء من تطوير لقاح للفيروس الذي يسبب هذا المرض، إذ ان الطريقة الأمثل للوقاية من المرض المذكور هي إعطاء لقاح ضد فيروس النطاق الحماقي للأشخاص فوق الخمسين من العمر، وعلى رغم انه لا يمنع الإصابة بحزام النار إلا أنه يقلل خطر الإصابة بشكل كبير. كما ينبغي إعطاء لقاح جدري الماء في سن الطفولة كونه يسهم بدوره في تأخير الإصابة نظرا لان الفيروس المسبب لجدري الماء هو ذاته الذي يسبب الحزام الناري.

طبيب الأسرة

طبيب الأسرة يشكل الخطوة الأولى نحو نجاح أنظمة الرعاية الصحية الأولية ضمن إطار طب الأسرة، حيث يكون الطبيب مسؤولا عن كل أفراد الأسرة، بل يتدرب على أن يتعامل مع المشكلة الصحية في إطارها الأسري من حيث مسببات المشكلات الصحية، ومن حيث القدرة على التشخيص وإبلاغ الأسرة بالتشخيص، ووضع الخطة العلاجية معتمداً على بقية الأسرة ويشركهم في وضعها. يدخل اختصاص طب الأسرة ضمن الرعاية الصحية الأولية الشاملة والمستمرة عبر التركيز على الفرد في نطاق الأسرة كوحدة اجتماعية وهو اختصاص يعتمد على العلوم الصحية والنفسية والسلوكية والاجتماعية.

يقع على عاتق طبيب الأسرة المهام التالية:

التعامل مع المشاكل الصحية للفرد في نطاق الأسرة.

القدرة على التواصل مع المريض في نطاق الأسرة من النواحي الفيزيائية والاجتماعية والنفسية.

الإلمام بالمشاكل الصحية في المجتمع والقدرة على تحديد الأولويات.

رفع المستوى الصحي للفرد والأسرة والمجتمع.

من أهم مقومات النجاح لدى طبيب الأسرة قدرته على التواصل والتوعية والتعامل مع المشكلات الصحية في بعدها الاجتماعي، إضافةً إلى إتقان أساسيات الطب السريري في العديد من التخصصات.

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *