المستشفيات الميدانية بمواجهة كورونا

المستشفيات الميدانية بمواجهة كورونا

الأساس في الطب الشفاء حتى لو كان في العراء

وسط أزمة نقص عدد الأسرة فى المستشفيات، نتيجة التفشي الواسع والسريع لفيروس كورونا حول العالم، إرتفع الطلب العالمي على تأمين المستشفيات الميدانية المتنقلة لعلاج الأمراض المعدية. وتتلقّى الشركات المصنّعة عدداً متزايداً من الطلبات لشراء مثل هذه المستشفيات. وفي عدد غير قليل من الحالات لجأت الدول إلى تحويل قاعات مؤتمرات وفنادق وصالات عرض ومرائب إلى مستشفيات مؤقتة لمواجهة النقص الحاصل في الأسرّة لمعالجة مصابي الجائحة التاجية. واستدعى عدد من الدول قواته المسلحة التي بدأت بتجهيز مستشفيات ميدانية للمساعدة في مواجهة فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19).

وعليه تدخّل الجيش الفرنسي والجيش الصربي وكذلك الأميركي والسويدي والطواقم الطبية التابعة لهذه الجيوش، حيث قامت ببناء مستشفيات في مناطق محددة، لمواجهة أزمة انتشار فيروس كورونا، وسط تزايد الحالات مع فرض حالات الطوارئ لوقف تفشي الفيروس.

لطالما كان المستشفى الميداني حلاً بديلاً وفعّالاً في أوقات الأزمات والحروب والكوارث الصحية. وقد بدأ استخدامه منذ القدم، إلى أن اتجه العالم نحو المستشفيات الثابتة ثم مع الوقت والتقدّم التقني والطبّي، نحو المستشفيات الفخمة عالية التجهيز، والمستجيبة لمتطلبات الإستشفاء الحديث والبيئة النظيفة والتكنولوجيا العالية الجودة. 

حالياً، ولمواجهة التوسّع الحاصل لفيروس كورونا، والنقص في القدرة الإستيعابية للمستشفيات الثابتة، لجأ معظم البلدان إلى الإستعانة بالمستشفيات الميدانية. وقد شهد هذا النوع من المستشفيات تطويراً سريعاً بما يلبي متطلبات الحجر الصحي والتنفّس الإصطناعي. والجدير بالذكر أن المستشفيات الميدانية غالباً ما تُستعمل لمعالجة مصابي الحروب والكوارث الطبيعية لتأمين الإسعافات الأولية لهم، قبل نقلهم إلى مستشفيات ثابتة لمواصلة العلاج. في حين أن المستشفيات الميدانية التي أثبتت حضورها وفعاليتها اليوم، أنشئت كرديف للمستشفيات الثابتة ولمساعدتها على مواجهة الضغط الهائل لأعداد المصابين.

أمثلة فرضها الواقع

وجدت دول العالم، حتى الغنية منها، نفسها عاجزة عن تلبية متطلبات العلاج الكافي لمصابي فيروس كورونا المستجد، الذي انتشر في شكل فاق قدرة الحكومات على مواجهته. لذلك سعت تلك الدول إلى توفير المزيد من الإمكانيات لمواجهة كورونا، كأسرّة الإنعاش والعناية المركّزة في المستشفيات للتكفّل بالمصابين. وفي هذا الصدد تمّ إنشاء مستشفيات مؤقتة للتخفيف عن مستشفيات المدن المكتظة وتوفير أماكن العلاج للمصابين، علما أن هذه تضم أحدث وأفخم المستشفيات في العالم، وكانت قدوة يحتذى بها في البلدان الصاعدة.

ففي نيويورك مثلا التي عرفت رقما مذهلا في الإصابات، جُهّزت مستشفيات ميدانية في أماكن متفرقة، بعدما فاق عدد الوفيات الأميركية بفيروس كورونا عدد ضحايا الوباء في الصين. لذلك وجدت عاصمة البلاد الاقتصادية نفسها في سباق مع الوقت لزيادة قدرات المستشفيات قبل أن تصل حالات الإصابات إلى ذروتها. وقد نصبت بداية حوالى عشر خيم تضم 68 سريرا و 10 أجهزة تنفس إصطناعي في منتزه مانهاتن. 

وفي جنوب سنترال بارك، جُهّز مركز جافيتس للمؤتمرات مع ما يقرب من ثلاثة آلاف سرير بعدما خضع لتعديلات من جانب فوج المهندسين في الجيش الأميركي. وعلى مقربة من ذلك عند الرصيف 90، رست سفينة “كومفرت” البيضاء وهي مستشفى يضم ألف سرير و12 غرفة عمليات لاستقبال المرضى من غير المصابين بفيروس كورونا لإتاحة المجال في المستشفيات الأخرى للمصابين بالفيروس. كما تم تحضير منشأة تتسع لـ350 سريرا في مركز ب”يلي جين كينغ” الوطني لكرة المضرب، لاستقبال مرضى فيروس كورونا. 

وفي ذروة الإنتشار كشفت العاصمة البريطانية لندن النقاب عن مستشفى مؤقت بسعة 4000 سرير تم بناؤه في مركز مؤتمرات ضخم لاستقبال الحالات غير الحرجة من المرضى لكي تتمكن المستشفيات البريطانية من مواكبة الزيادة المتوقعة في الطلب. ولا تزال بريطانيا تمتلك بعض أسرّة العناية المركزّة المجانية المتاحة، ولكن من المرجّح أن تفشي المرض، بعد أسابيع من ذروته هناك، سيضع المملكة المتحدة في وضع حرج خصوصا وأنها الأقل حيازة لأسرة المستشفيات للفرد في أوروبا. 

كما عززت اسبانيا، التي سجلت رقما قياسيا من حيث عدد الوفيات بالفيروس المستجد، أسرّة المستشفيات بنسبة 20 في المائة. وتمّ تحويل عشرات الفنادق في جميع أنحاء البلاد إلى غرف لاستقبال المصابين. وعمدت السلطات إلى بناء مستشفيات ميدانية في المراكز الرياضية والمكتبات وقاعات العرض. 

وفي مدينة ميلانو افتُتِح مستشفى ميداني للعناية المركّزة في مركز المعارض بالمدينة. وتمّ تزويده بأجنحة صيدلة وأشعة. وعمدت السلطات إلى توظيف 900 شخص. وقد جاءت هذه الخطوة بسبب الصعوبات التي يشهدها القطاع الصحي بمنطقة لومبارديا حيث امتلأت المشارح بالجثث. 

ورغم تراجع انتشار الفيروس في المدن الإيطالية المتضررة مثل بيرغامو وبريشيا خصوصاً، وتباطؤ معدل الإصابات الجديدة في إيطاليا بشكل عام، يشير البعض إلى أن العديد من الإيطاليين يموتون في المنازل لأن المستشفيات مكتظة ولا يمكنها توفير أجهزة التنفس في وحدات العناية المركّزة. 

أما ألمانيا فكانت أقل حاجة لهكذا إجراءات. من بين الأسباب التي تجعل ألمانيا في وضع أفضل من بقية الدول الأوروبية الأخرى هو النسبة العالية من أسرّة العناية المركزّة التي تملكها حيث تبلغ 33.9 لكل 100 ألف شخص، مقارنة بـ 8.6 في إيطاليا. وسجلت ألمانيا حالات وفاة بالفيروس، أقل بـ 16 مرّة من إيطاليا.

العودة إلى الأساس

تلبية لهذه التطورات زاد الطلب على الشركات المنتجة للخيم المعدة لتكون مستشفيات ميدانية، وغير ذلك من المنتجات. وجاء في تقرير نشرته شركة التصدير العسكري الروسية “Rosoboronexport”، أن الشركة “تلقّت عدداً كبيراً من الطلبات لتوريد مستشفيات ميدانية متنقلة لعلاج الأمراض المعدية. وتتم معالجة هذه الطلبات بأولوية عالية نظراً لأهمية هذه المنتجات وضرورتها”. وتحتوي هذه المنتجات على مستشفيات متنقلة مع وحدات لتشخيص وعلاج الأمراض المعدية، ومراكز للتحكم والتطهير، وردهات خاصة لعزل ومراقبة الأشخاص المحجورين صحياً. كما أنها مجهّزة لاستقبال ما يصل إلى 300 شخص. والمهم في هذه المستشفيات أنها مكتفية ذاتياً ومريحة للطاقم الطبي والمرضى على حد سواء، ويمكن نصبها خلال فترة زمنية قصيرة، تتراوح من يوم إلى 6 أيام.

هذا الواقع كشف بحسب المراقبين الصحيين، أقلّه أمرين: 

أولا أن الإنفاق العالي على المستشفيات الفخمة والإستثمار في نواحي الرفاهية فيها، تبيّن أنه غير مجد صحيا في فترات الأزمات. فعندما احتدم الصراع بين الوباء والعالم، ظهر جليا أن توفير مكان العلاج والتجهيزات الضرورية هو الأهم حتى لو داخل خيمة أو مرآب. فصحيح أن الفخامة في تقديم الخدمة ورفاه المريض أمران مهمان، ويشكلان عامل استقطاب للمرضى، ولكن في أزمنة خارج الأزمات. فغرف المستشفيات لم تعد تقتصر على الحالة الطبية فقط، بل باتت معدّة لتناسب مختلف الفئات الاجتماعية، حتى أصبحت مستشفيات اليوم أشبه بأجنحة فندقية مزودة بوسائل الرفاهية الفخمة. ويتزايد الطلب على الغرف المميزة حول العالم، لكن هذه المستشفيات تكون باهظة الثمن، ولا يمكن أن يتحمل تكلفتها الجميع.

وثانيا، أهمية الحاجة إلى الطواقم الطبية، وتأمين الآلاف من العاملين في المجال الطبي لتشغيل المستشفيات الميدانية المستحدثة. فقد اكتشف العالم المتقدم في هذه المحنة أن منظومته الصحية وإمكانياته الطبية، ليست على ما يرام وربما ليست أفضل من دول العالم الثالث. 

فصرخات جنود هذه الحرب في الخطوط الأمامية للمعركة تتعالى: “نحن الأطباء والممرضون نحارب بدون سلاح”. هكذا اشتكى طبيب فرنسي مطالباً بتوفير اللوازم الضرورية لحمايتهم من انتقال العدوى خلال عملهم في العناية المركّزة وعلاجهم للمصابين، كما من نقص الكمامات وأجهزة التنفس ونقص الممرضين. من جانبها حذرت رئيسة العمليات في المستشفى الجديد داخل مركز “إيكسل” في لندن ناتالي فورست، من أنها ستحتاج إلى آلاف الأطباء والممرضات والمتطوعين، لأن “أرقام الإصابات مخيفة”.

فإيطاليا وبريطانيا وفرنسا من بين الدول التي استدعت طلاب الطب والأطباء المتقاعدين والممرضين لتقديم المساعدة خلال أزمة فيروس كورونا مع تدريبهم أو إعادة تدريبهم. وقد تفاقم النقص في الموظفين الطبيين بسبب ارتفاع أعداد المصابين. ففي إيطاليا وحدها، أصيب ما يقرب من 10 آلاف عامل طبي وتوفي أكثر من 60 طبيبا. “فالأزمات تحدد الإتجاهات” كما قال طبيب إيطالي، “وهي اليوم أظهرت كم هي الحاجة كبيرة لإعادة النظر بفلسفة العمل الطبي ومنهجيته، وأن الأساس في الطب هو الشفاء حتى لو كان في العراء”.

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *