كيف استخدم العالم الروبوتات بمواجهة كورونا؟

كيف استخدم العالم الروبوتات بمواجهة كورونا؟

مساعدون طبيون في لبنان وتونس وطائرات مسيّرة في قطر والإمارات والكويت… 

إقتحمت الروبوتات الذكية الخطوط الأمامية للمعركة بمواجهة كورونا. وشيئا فشيئا أثبتت تلك الآلات أنها ذات جدوى في عملية مكافحة الأوبئة، خصوصا في ما يتعلق بإجراءات الحد من العدوى. فأثبتت التكنولوجيا أنها سلاح فعّال لمحاربة الجائحة في هذه المعركة العالمية، والحفاظ على الأطباء والطواقم التمريضية… فظهرت موازين الحرارة عبر الإنترنت للحد من عدوى كوفيد 19، وروبوتات لتعقيم الغرف وأخذ عينات من المصابين، وطائرات بدون طيار لتعقيم الشوارع ومراقبة الطوارئ، وتطبيقات الهواتف المحمولة لمتابعة المصابين وللإبلاغ عن أعراض الفيروس. صحيح أ الروبوتات لم تظهر مع كورونا، لكن حضورها في المستشفيات والمراكز الطبية، زاد بقوّة بعد توسّع انتشار الفيروس واشتداد مخاطره. 

خلال تفشي فيروس إيبولا في العام 2015 حدّدت ورش العمل التي نظمها مكتب البيت الأبيض لسياسات العلوم والتكنولوجيا ثلاثة مجالات واسعة يُمكن أن تُحدث فيها الروبوتات فرقًا، هي الرعاية السريرية (الممارسات الطبية وأعمال التعقيم عن بُعد)، والخدمات اللوجستية (نقل النفايات الطبية ومعالجتها)، والاستطلاع (مراقبة عمليات الامتثال لإجراءات الحجر الصحي). وتقول تلك الورقة إن التفشِّي الحالي لفيروس كورونا أدخل مجالًا رابعًا، هو استمرارية العمل والحفاظ على الاقتصاد.

أبرز ما جاء في الورقة البحثية بنتيجة ورش العمل، هو استخدام الروبوتات في مجال الرعاية الصحية والسريرية. وأشارت الورقة إلى أن الروبوتات تستطيع إحداث فارقٍ كبيرٍ في الوقاية من المرض، وإجراء التشخيص والفحص اللازمَين للمشتبه بهم، علاوةً على رعاية المرضى وإدارة التفشِّي ذاته. كذلك فهي تقدّم الطعام للمرضى وتعطيهم الدواء في المواعيد المخصصة له، خصوصاً في فترات حدوث الأوبئة العالمية. فمثلًا، يُمكن استخدام الروبوتات في تطهير الأسطح بواسطة أجهزة مدمجة تعمل بالأشعة فوق البنفسجية. فالفيروس لا ينتقل فقط من شخص إلى آخر عن طريق الرذاذ المتطاير من الجهاز التنفسي، لكن أيضًا عبر الأسطح الملوثة. إذ يُمكن أن تبقى الفيروسات التاجية على الأسطح الصلبة –التي تتضمن المعادن والزجاج والبلاستيك- لأيام، وقد ثبت أن أجهزة الأشعة فوق البنفسجية (مثل PX-UV) فعالة في الحد من التلوث على الأسطح عالية اللمس في المستشفيات.

وتاريخيًّا، تم تطوير الروبوتات لتوَلِّي وظائف مملة وخطيرة. وكان أول انتشار واسع النطاق لها في التطبيقات الصناعية، وبالمثل فإن مكافحة الأمراض المعدية تنطوي على بيئة غير مناسبة للعمال البشريين ولكنها مناسبة للروبوتات. وتشير الدراسة البحثية، إلى أن الوباء الحالي قد يؤدي إلى ضخ مزيد من التمويلات في مجال الروبوتات المخصصة لمعالجة الأمراض المُعدية.

الخادم النظيف

وصف الكاتب العلمي الأميركي إسحاق عظيموف، الروبوتات بأنها “خدم الإنسان”، معتبراً أنها “أكثر نظافةً” من البشر. والآن، يُركّز العلماء على جدوى استخدام الروبوتات في الحرب ضد كورونا. فمكافحة الأوبئة تحتاج إلى انتقال الطواقم المدربة بين المناطق المختلفة التي تُعد مركزًا للمرض. وهي أماكن عالية الخطورة ويُمكن أن تتسبب في زيادة معدلات الإصابة. من هنا جاءت أهمية استخدام الروبوتات المتحركة للتشخيص والمسح عبر التنقُّل في الأماكن العامة والمرافق لقياس درجات حرارة الأشخاص الوافدين. كما يُمكن استخدامها أيضًا كنظام فحص متعدد قادر على استشعار درجات حرارة المئات في اللحظة نفسها.

فخلال الفاشيات الكبيرة، يتمثل التحدي الرئيسي في نقص العاملين المؤهلين لجمع تلك المسحات، ومعالجة عينات الاختبار. والروبوتات يُمكنها المساعدة في تلك العملية، وهو الأمر الذي سيقلل العدوى ويعطي للكوادر المؤهلة الفرصة لأداء مهمات أخرى أكثر حسمًا، أو أخذ قسط من الراحة وسط الضغط الهائل الذي يولده ارتفاع أعداد المصابين. وتبيّن الدراسات أن أتمتة عملية سحب الدم لإجراء الاختبارات، يمكن أيضًا أن تُعفي الطاقم الطبي من مهمة ذات مخاطر عالية من التعرُّض للعدوى. لذلك عمل الباحثون على تطوير أنظمة روبوتية تعتمد على التصوير بالموجات فوق الصوتية لأوردة الساعد الطرفية من أجل سحب العينات. وتسمح تلك الفحوصات بالكشف النوعي السريع في المختبر والتمييز بين مسببات الأمراض. 

ويرى رئيس قسم الهندسة الميكانيكية وأستاذ علوم الروبوتات بجامعة زيورخ “برادلي نيلسون” أن استخدام الروبوتات في الصين ساعد بصورة جيدة على الحد من العدوى، وساعد الأطقم الصحية على تقديم خدمات أفضل للمرضى”. كذلك فقد لجأت إيطاليا إلى الروبوتات لمنع نقل العدوى للأطباء والممرضين. وبدأ عمل اول 7 روبوتات في مستشفيات شمال إيطاليا لتعويض نقص الكوادر الطبية أو الأدوية الصحية مثل الكمامات والقفازات. 

حيث كان الروبوت يقوم بمراجعة الوظائف الحيوية للمريض ويجري محادثة عبر شاشته بين الطبيب والمصاب. ويقول الدكتور فرانشيسكو دينتالي، مدير العناية المركّزة فى مستشفى سيركوزلو في فاريزي الإيطالية، إن “الأمر أشبه بوجود ممرضة آخرى، بدون مشاكل التعرض للعدوى، ويتم وضع الروبوتات بجوار سرير المريض حتى يتمكن الأطباء من رعاية آخرين ممن هم في ظروف أكثر خطورة وتستلزم حالتهم التدخل البشري.

ففي إيطاليا أصيب أكثر من 4000 عامل صحى بالفيروس وتوفي حوالى 66 طبيبا، ولذلك فإن اللجوء إلى الروبوتات في هذا الوقت عامل مهم جداً. ولجأت إسبانيا أيضا إلى الروبوتات للحد من انتشار فيروس كورونا، واشترت أربعة روبوتات قادرة على 80 الف اختبار يوميا، وذلك في محاولة لمنع نقل عدوى كوفيد 19. ومن أمثلة التكنولوجيا أيضا لاحتواء فيروس كورونا، تطبيقات التعقب، التي قامت بها العديد من الدول مثل كوريا الجنوبية في مكافحة الوباء، وذلك من خلال الوصول المباشر إلى الاختبارات الجماعية وقدرتها على مراقبة المواطنين المصابين وبيئتهم.

العرب والروبوتات

البلدان العربية لم تتأخر عن السير بهذا الركب. فزادت دول عديدة اعتمادها على الروبوتات، حتى أن بينها من صنّع تلك الآلات محليا ووضعها في الخدمة بسرعة لافتة. ففي قطر مثلا، وفي خطوة تستهدف منع التجمهر للحصول على الخدمات، سعت المؤسسات في البلاد إلى تقديم خدماتها عن بُعد سواء أكانت صحية أو تعليمية أو مالية. كما استخدمت وزارة الداخلية القطرية، وكذلك الإمارات، الطائرات المسيرة لتنفيذ مهمات طبية عدة، منها بث رسائل التوعية والتأكيد على ضرورة الالتزام بإجراءات السلامة الخاصة بالحد من انتشار الفيروس، وتعقيم الشوارع. وفي تجربة فريدة من نوعها في العالم العربي، استعانت وزارة الداخلية التونسية بـ”جهاز روبوت” على شكل مدرعة صغيرة مجهزة بكاميرات مراقبة وكاميرا حرارية، يتم التحكم بها عن بعد، ومزودة بنظام “جي بي إس” تجوب شوارع تونس لمراقبة مدى تطبيق إجراءات الحجر الصحي. وهذا الروبوت هو صناعة محلية 100 بالمئة. 

في الكويت، وعملا بالإجراءات والتدابير الإحترازية العديدة التي اتخذتها السلطات المعنية من أجل منع انتشار فيروس كورونا في البلاد، قامت وزارة الداخلية باستخدام تكنولوجيا الطائرات المسيرة عن بُعد لحث المواطنين والمقيمين على فض التجمعات. وأظهرت مقاطع فيديو متداولة، مخاطبة أفراد وضباط وزارة الداخلية عبر مكبرات الصوت المحمّلة على متن هذه الطائرات المسيّرة عن بعد الجاليات العربية والأجنبية الموجودة في الكويت بعدة لغات منها العربية والإنجليزية والفلبينية والهندية وغيرها.

في الأردن، وبعد فترة قصيرة من حظر التجول، بدأ تفعيل منصة “مونة” الإلكترونية التي أطلقتها الحكومة، وهي عبارة عن دليل إرشادي للشركات والتطبيقات المرخصة والمزودة لخدمات توصيل السلع إلى المنازل على مستوى المحافظات. وتضم المنصة، فئتين رئيسيتين هما التطبيقات الذكية والمتاجر الإلكترونية التي تستطيع القيام بعمليات الطلب الإلكتروني من خلالها أو عبر الاتصال، وهي توفر خدمة التوصيل إلى المنازل.

وكثفت سلطنة عمان من توظيفها التقنيات الحديثة للتصدي لجائحة كورونا، وأعلن الصندوق العماني للتكنولوجيا عن تخصيص مليون ريال عماني -(الريال العماني يعادل 2.6 دولار أميركي)- للاستثمار والتوسع في عدة مشاريع تقنية تساعد المواطنين والمقيمين في مواجهة الصعوبات الناجمة عن تطبيق سياسة التباعد الاجتماعي وعدم الاختلاط للحد من انتشار فيروس كورونا.

وفي لبنان، طوّر فريق من المهندسين بإمكانات ذاتية، روبوتات طبية قادرة على أخذ عينات من المصابين لفحصها وتعقيم الغرف وكذلك لعب صلة الوصل بين الطبيب والمريض سواء أكان الطبيب في المستشفى أو في أي مكان آخر. ويتم استخدامها حاليا في عدد من المستشفيات اللبنانية.

دور أكبر عالميا

في مطلع آذار/مارس الماضي، اهتم فريق يتكون من 14 روبوتا بمرضى مستشفى ميداني في مدينة ووهان، التي انطلق منها وباء كوفيد- 19. وقد جرت عملية كشف حرارة المرضى، بالاستعانة بأدوات قياس تعمل بتقنية الجيل الخامس عند مدخل المستشفى الميداني، فيما كانت روبوتات أخرى تقدم لهم الأطعمة والأدوية. وتولى روبوت يحمل إسم “كلاود جينجر” التواصل مع المرضى. وفي تايلاند وبلدان أخرى، باتت المستشفيات مجهزة بروبوتات مزودة بشاشات لإجراء الاستشارات عبر الفيديو من دون الاضطرار للدخول إلى الغرفة. كما أن بعض هذه الروبوتات قادر على تفحص رئتي المرضى. ويوضح ألكسندر ييب مدير الشؤون الابتكارية، في مستشفى ألكسندرا في سنغافورة، أن “هذا الأمر يسمح لنا بالتواصل بوتيرة أكبر مع المرضى من دون الحاجة إلى ارتداء السترة (الواقية) الكاملة”.

وباتت المستشفيات حاليا، تتجه على نحو متزايد إلى الروبوتات القادرة على القضاء على الجراثيم وتعقيم الغرف من الفيروسات والبكتيريا في خلال بضع دقائق، من الستائر ومقابض الأبواب. واضطرت شركة “زينيكس” الأميركية و”يو في دي” الدنماركية إلى زيادة إنتاجهما من الروبوتات التي تصدر أشعة ما فوق البنفسجية قادرة على القضاء على العوامل المسببة للأمراض.

وفي فرنسا، صممت “شارك روبوتيكس” واختبرت وحدة تعقيم تضاف إلى إحدى روبوتاتها العاملة تحت الأرض، وفي استطاعتها إجلاء الضحايا وإخماد الحرائق. ويكفي وضع منتج معقم في خزان الروبوت ليتمكن “راينو بروتيكت” من “تنظيف حتى 20 ألف متر مربع في ثلاث ساعات عبر ضخ قطيرات مصغرة على 360 درجة من دون إغراق الغرفة”. وتلقت الشركة طلبيات عدة من بلدان أجنبية بينها إيطاليا التي تسعى لتعقيم مستشفياتها وأيضا محطات القطارات.

وتسعى بعض المنظمات إلى مد الروبوتات بقدرات أكبر، بينها مختبرات في أستراليا وكندا تعمل على تطوير طائرات مسيّرة مزودة بأجهزة استشعار قادرة على رصد الإصابات التنفسية بين الجموع. وهكذا فإن “صفعة كورونا المستجد” تحفز الشركات المتخصصة على الإبداع في مجال الروبوتات الطبية في المستقبل. ذلك المستقبل الذي يجب أن نستعد له بمزيد من الإستخدام للروبوتات القادرة على حمل الدواء واقتحام المناطق التي يُسيطر عليها الأعداء الحقيقيون… أي الفيروسات.

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *