أمراض الثدي ليست كلها سرطان

التوعية طوق النجاة  

أمراض الثدي ليست كلها سرطان

تشكل أورام الثدي، الحميدة منها والخبيثة، محور إهتمام كبير لدى القطاع الصحي والمجتمع بمختلف فئاته وهو ما يبدو جلياً من خلال حملات التوعية التي أسهمت في كسر حاجز الخجل لدى النساء، فكان الكشف المبكر هو بمثابة طوق النجاة للكثير من حالات السرطان التي لا تزال في بدايتها. فأدركت المرأة أن الخجل لن يفيدها بل قد يكون سبباً في تدمير حياتها وكلما كان الكشف مبكراً كلما تخلصت من براثن المرض. لكن مشاكل الثدي ليست دائما السرطان، بل هناك الكثير من الأورام الحميدة غير الخطيرة لكنها بشكل أو بآخر تسبب حالة من الهلع لدى المرأة إلى أن يثبت الطبيب ماهيتها.

أورام الثدي الحميدة

كتل غير ثابتة  وغير مؤلمة ولا تتحوّل إلى سرطانية

أورام الثدي الحميدة هي أشبه بتكتلات تصيب الثدي فتشعر المرأة بالألم وعدم الراحة، وهناك بعض العوامل التي تساهم في تكوّنها مثل تغيير مستويات هرمون الإستروجين في الدم أو الجينات الوراثية.  لكن وجود هذا النوع من الكتل يصيب المرأة بحالة من الهلع خوفاً من تحولها إلى أورام سرطانية، في المقابل أثبتت الدراسات الطبية أن الأورام الحميدة لا تتحول إلى سرطانية، باستثناء بعض أمراض الثدي كالتضخم وفرط الأنسجة التي قد تزيد خطر الإصابة بسرطان الثدي.

ولعل ما تشهده مراحل حياة المرأة من تقلبات هرمونية واضطرابات تشكل أحد عوامل الاصابة، بالإضافة إلى تناول حبوب منع الحمل وزيادة الوزن والتقدم في السن وسن اليأس. تتحسّس المرأة وجود كتلة أو كتل غير ثابتة وقابلة للتحرك عند لمسها بكف اليد، هذه الكتلة هي أول عارض تشعر به المرأة وقد تكون واحدة أو أكثر في إحدى الثديين أو في الإثنين معاً، غالباً ما يتراوح قُطرها سنتمتراً واحداً أو 2 سنتمتر وفي حالات النمو المتقدمة قد يصل قُطرها إلى 5 سنتمتر. من مواصفات هذه الكتل وخصائصها أنها قابلة للتحرك تحت الجلد عند تحسّسها ودائرية الشكل وواضحة الحدود، غير مؤلمة في معظم الأحيان إلا في حالات نادرة تصبح ليّنة ومؤلمة بعض الشيء، خصوصاً في الفترة التي تسبق الدورة الشهرية.

تنقسم أورام الثدي الحميدة إلى ثلاثة أنواع هي البسيطة والمعقدة والشديدة، غير أنها لا تنذر بالخطر لأن في غالبية الأحوال لا يمكن أن تتحول إلى ورم سرطاني. 

  • ورم الثدي الحميد البسيط يتراوح حجم الكتل في هذا النوع بين 1-3 سنتيمترات، وظهوره لا يجعل المرأة المصابة بها أكثر عرضة من غيرها للإصابة بسرطان الثدي.
  • ورم الثدي الحميد المعقد يزيد من إحتمالية إصابة المرأة بسرطان الثدي، ولكنه لا يتحول إلى ورم سرطاني.
  • ورم الثدي الحميد العملاق في بعض الأحيان قد ينمو ورم الثدي الحميد ليزيد حجمه عن 5 سنتيمترات، وعندها يتحول من ورم بسيط أو معقد ليصبح ورماً عملاقاً.

على عكس أورام الثدي السرطانية فإن أورام الثدي الحميدة لا تتسبب بحدوث إفرازات من حلمة الثدي أو أي نوع من التورم في الثدي والإحمرار والطفح الجلدي حوله. تنشأ هذه الكتل وتتطوّر نتيجة التغيرات في مستويات هرمون الإستروجين في الجسم. فالثدي يتكوّن من “فصيصات” (Lobules) هي الغدد المنتجة للحليب (Milk-producing glands)، إضافة إلى قنوات تحمل الحليب وتوصله إلى حلمة الثدي (Ducts). 

يبدأ ورم الثدي الحميد بالتكون في إحدى فصيصات الحليب، لتكبر الأنسجة وقنوات الحليب المحيطة بالقصيصة لتكون في النهاية كتلة متماسكة وليّنة وهذا ما يسمونه الورم الحميد. تشخيص أورام الثدي الحميدة يتم في البداية من خلال  الفحص الذاتي للثدي وهو ما يجب أن تقوم به المرأة شهرياً بعد سن العشرين فإذا لاحظت ظهور أي كتل مثيرة للشّك، يجب مراجعة الطبيب المختص في الحال. المرحلة الثانية من الفحص تكون في عيادة الطبيب، وهنا على المرأة أن لا تهمل الزيارة الدورية للطبيب المختص لاسيما في حال وجود تاريخ عائلي للإصابة بالكتل الحميدة أو حتى أورام في الثدي. يجب زيارة الطبيب سنوياً بعد سن الاربعين. يلجأ الأطباء إلى الماموجرام ( التصوير الشعاعي للثدي) للكشف عن أنواع أمراض الثدي، وللتأكد من طبيعة الكتل الموجودة في الثدي؛ وفي بعض الأحيان، قد يحتاج الطبيب لأخذ عيّنة من كتل الثدي للطمأنينة والمقصود هنا “الخزعة”.

التعامل مع هذا النوع من الأورام الحميدة يتم بداية بمراقبتها لمعرفة مدى تطورها ونموها خصوصاً في حال كانت صغيرة ولا يبدو أنها ستكبر مع الوقت، ما يعني أن بقاؤها لا يسبب أي مشكلة. في بعض الحالات، وبعد المتابعة والمراقبة عن كثب، قد يلجأ الطبيب إلى الخيار الجراحي فيستعين بتقنية  الإستئصال الخزعي (Excision biopsy) وهي عملية جراحية يتم اللجوء إليها لإزالة كتل الثدي الحميدة المعقدة أو العملاقة، ويتم الخضوع أثناء العملية لتخدير موضعي أو كلي.

بعض الحالات الأخرى تتطلب الإستئصال الخزعي بمساعدة ضغط الهواء (Vacuum assisted excision biopsy)، وذلك في حال كانت الكتلة أو الكتل الحميدة في الثدي صغيرة في الحجم. وهنا يتم إدخال أنبوب مفرغ عبر شق صغير في الثدي ليتم شفط الورم إلى الخارج بالكامل، مع مراقبة ما يحدث في داخل الثدي والتأكد من دخول الأنبوب للمواقع الصحيحة عبر مراقبة الثدي داخلياً بأشعة فحص الثدي مباشرة على شاشة يراقبها الطبيب. ويتم بعد ذلك إرسال الكتل التي تم إستئصالها إلى المختبر لفحصها. هناك إجراء غير جراحي يسمى الكي بالتجميد (Cryoablation) وفيه يراقب الطبيب الورم الحميد في الثدي عبر الأمواج فوق الصوتية على شاشة جهاز خاص بينما يحمل أداة إلكترونية تسمى بالكرايبروب (Cryoprobe) يضغط بها بلطف على بشرة الثدي لتقوم بتجميد الأنسجة المحيطة بالورم ما يؤدي إلى تدمير الكتلة الحميدة من دون جراحة.

سرطان الثدي

إكتشاف الخلايا الخبيثة في أولى مراحلها يزيد من فعالية العلاج

يشكل سرطان الثدي أكثر أنواع السرطانات شيوعاً على مستوى العالم؛ وبحسب الوكالة الأممية المعنية بالصحة، كان هناك 2.3 مليون حالة سرطان ثدي جديدة عام 2020، تمثل ما يقرب من 12 في المائة من جميع حالات السرطان. كما أنه السبب الرئيسي للوفاة من السرطان بين النساء في جميع أنحاء العالم. لطالما ركّزت حملات التوعية على الكشف المبكر لأنها السبيل لإكتشاف المرض مبكراً وحماية المريضة من إنتشار السرطان إلى خارج منطقة الثدي؛ هذه الخطوة أسهمت إلى حد كبير في تجنب عملية الإستئصال الكامل والإكتفاء بإزالة الورم السرطاني مع خضوع المريضة إلى عدد من الجلسات العلاجية الكيميائية والإشعاعية قبل العملية وبعدها، بحسب بروتوكول العلاج المناسب لحالتها المرضية.

تكمن أهمية الكشف المبكر بهدف إكتشاف الخلايا الخبيثة في أولى مراحلها ما يزيد من فعالية العلاج. بعد سن الأربعين، على كل سيدة التوجه إلى مراكز أو مستشفيات تقوم بإجراء صورة الماموجرافي للكشف عن وجود كتل ما تبدأ بالتكوّن داخل الثدي من دون أن تشعر بها، حيث تركز حملات التوعية دوماً على ضرورة إجراء هذه الصورة “على صحة السلامة” لأنه وبمجرد ظهور الأعراض فذلك يعني أن المرض قد بدأ.

تختلف أنواع سرطان الثدي بحسب قدرة المرض على الإنتشار والإستجابة لكل نوع من أنواع العلاج؛ خلال البحث عن نوع السرطان، يركّز طبيب الأورام على خصائص سرطان الثدي من خلال الفحص النسيجي والخزعة لمعرفة ما إذا كان بطيئاً أو متوسطاً أو سريع النمو. كما يتم البحث في نوع البروتينات الموجودة في هذا الورم الخبيث وكميتها على جدار الخلايا أو داخلها، بالإضافة إلى النظر إلى مستقبلات الإستروجين ER والبروجسترون والبروتين HER 2. قد يكون نوع السرطان حساساً جداً على الهرمونات النسائية أو ذا حساسية وسطية على الهرمونات أو بإمكان ان يكون الورم حساساً على HER 2 كما يمكن أن لا يكون حساساً على أي منهما وعندها يسمى Triple negative أو ما يعرف بالثلاثية السلبية.

والأنواع الرئيسية منها نوعان تكون الإستجابة فيها للعلاج الهرموني بدرجة عالية، ويعتبر في هذه الحالات العلاج الأساسي مع الحاجة إلى العلاج الكيميائي لدى نسبة معينة من المريضات.

هناك نوع آخر توجد فيه مستقبلات هير 2 على جدار الخلية، ويكون الإعتماد الأساسي في علاج هذا النوع على العلاج الكيميائي، بالإضافة للعلاج الموجه الذي يتسم بدقة شديدة في التوجه للخلايا المصابة من دون أن يكون له آثار جانبية.

يبقى النوع الأكثر شراسة وهو لا يستجيب للعلاج الهرموني بحيث لا يوجد مستقبلات الهرمون على جدار الخلايا ولا يوجد به مستقبلات الهير 2؛ العلاج الأساسي لهذا النوع هو العلاج الكيميائي، وفي هذا الاطار يوجد العديد من الأبحاث لزيادة كفاءة العلاج لهذه الفئة من المرضى. على صعيد العلاجات، فإن الطبيب يحدد العلاج لمناسب لكل مريضة آخذا بعين الاعتبار أمور عدة أهمها حجم الورم الخبيث وأماكن انتشاره؛ بعض الحالات تستدعي إجراء عملية إستئصال للورم فقط وإبقاء الثدي على أن يلي العملية علاج إشعاعي، أما حالات أخرى يكون فيها المرض منتشراً يجب إستئصال الثدي كلياً والبدء بجلسات العلاجي الكيميائي والإشعاعي وفيما بعد العلاج الهرموني.في بعض الحالات، يقرر الطبيب الجمع بين الجراحة والإشعاع والكيميائي والهرموني وذلك بهدف منع التعقيدات والسيطرة على المرض؛ وأحياناً تؤجل الجراحة حتى تظهر إستجابة للعلاج الكيميائي، وأحيانا أخرى يلغي فكرة العملية الجراحية لدى كبار السن ويستبدلها فقط بالعلاج الإشعاعي والهرموني. جراحات سرطان الثدي شهدت بدورها تطوراً ملحوظاً حيث بات من الممكن إزالة العقدة الأولى فقط ليتم فحصها واذا تبيّن أنها سليمة لا يتم إزالة العقد المتبقية وتسمى هذه الطريقة Central Lymph Node Biopsy.  كما توصلت الدراسات والأبحاث الطبية إلى ضرورة تناول دواء الهرمون الوقائي Tamoxifen لمدة عشر سنوات بدلاً من خمسة لما له من أهمية في التخفيف من إحتمال عودة المرض.

ومن تطورات الجراحة أيضاً ترميم الثدي في الوقت نفسه الذي تتم فيه عملية إستئصال الورم بعد أن يحدد الجراح إمكانية ذلك. فالجراحون اليوم يبذلون قصارى جهدهم من أجل تجنيب المريض عملية الإستئصال الكامل نظراً لأهمية هذه الخطوة في تقديم الدعم النفسي للمريضة ذلك أن أنوثة المرأة في ثدييها وفقدانها قد يحمل آثاراً سلبية تؤثر على آلية تجاوبها مع العلاج. إلا أنه في نهاية المطاف، فإن حجم الورم ومدى إنتشاره ونوعه ومدى إصابة الجلد كلها عوامل يضعها الطبيب أمامه ليحدد حجم العمل الجراحي.

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments