القطاع الصحي في تركيا

قوّة لافتة بمواجهة كورونا

 

 

أثبت القطاع الصحي في تركيا قدرته على الصمود أمام جائحة كورونا التي عصفت بالعالم أجمع إلى أن أصبح مثالاً يحتذى به من حيث البنية التحتية التي يمتلكها هذا القطاع والمستشفيات الحديثة التي يعمل فيها نخبة من الأطباء ومقدمي الرعاية الصحية، إلى أن باتت تركيا مقصداً لكل من يسعى للسفر من أجل العلاج.

 

نجاح القطاع الصحي في تركيا يعود إلى الإستثمار الحكومي الكبير وبوقت مبكر في النظام الصحي والتغطية الصحية الشاملة التي يتم تقديمها، وهو ما يبدو جليّاً من خلال التطوير الهائل في البنية التأسيسية الصحية الذي شهدته تركيا خلال السنوات الماضية لتصبح اليوم عنواناً للسياحة العلاجية. لقد تمكّن القيمون على القطاع الصحي من السيطرة على الوضع مع بدء ظهور حالات فيروس كورونا المستجد، فلم تشهد تركيا تدهوراً في أعداد الإصابات أو الوفيات في ظل اعتمادها استراتيجية في هذا الخصوص تعتمد بالدرجة الأولى على سرعة الكشف عن المصابين بالفيروس، عبر إجراء فحوصات لكل من يعاني من أعراض الفيروس، عزل من ثبتت إصابتهم عن محيطهم حسب سوء حالة المصاب، وتعقب كل من اختلط بالمصابين وإجراء اختبار فحص الإصابة للتأكد من سلامتهم، ومن تثبت إصابته فيتم حجره بناءً على سوء حالته الصحية، في المنزل أو إلى المستشفيات لتلقي العلاج اللازم.

 

لقد تمكنت تركيا خلال السنوات الماضية من تأسيس بنية تحتية قوية للقطاع الصحي، وعقب ظهور أولى الحالات بالفيروس حول العالم تداركت السلطات الأمر وتم تفعيل أنظمة إدارة الخدمات الطبية مباشرة وجرى إعداد استراتيجية مواجهة شاملة كخطوة أولى في إطار خطة الإستعداد الوطني للإنفلونزا الوبائية لعام 2019 عبر تشكيل اللجنة العلمية لمواجهة كورونا والتي ضمت 31 خبيراً وذلك منذ بداية العام الحالي في 10 يناير/كانون الثاني 2020.

 

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد صرّح في وقت سابق: “تركيا لديها جيش طبي ضخم مؤلف من 165 ألف طبيب، و205 ألف ممرضة، و490 ألف عامل صحة، و360 ألف موظف دعم لوجستي، وهي إحدى أكثر الدول استعداداً لمواجهة فيروس كورونا وذلك بفضل التحول الذي شهدته في الـ 18 عاماً الماضية”.

القطاع الصحي في تركيا كان قد حظي بإشادة من المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، هانز كلوغ، في تخطي محنة كورونا على مختلف الأصعدة خلال تلك الأزمة، حيث قال في وقت سابق إن تركيا حققت نجاحاً كبيراً في حماية المسنين بفضل التدابير التي اتخذتها.

 

لقد سارعت تركيا إلى إعداد خطط عمل وافتتحت مستشفيات مخصصة إلى جانب تجهيز عزل في تلك المستشفيات، فتميزت الدولة على صعيد علاج الحالات المصابة وعدد أسرّة وحدات العناية المركزة؛ ولم تغفل عن تأمين المستلزمات الطبية والأجهزة اللازمة فضلاً عن توزيعها الكمامات بشكل مجاني لمواطنيها.

 

كما أن استراتيجية تتبُّع مصدر انتشار الوباء التي تبنتها تركيا وطبقتها بنجاح وتنفيذها بدقة متناهية ساهم في عزل الأفراد الذين خالطوا حالات الإصابة، ما ساعد في كبح سرعة إنتشار الفيروس.

 

وعلى هذا النحو، نجحت تركيا في توفير رعاية طبية فعالة للحالات التي ظهرت عليها أعراض الإصابة بالفيروس وواصلت ذلك على أكمل وجه حتى في الفترات التي كانت أكثر كثافة في عدد الإصابات.

 

ولعل من أهم أسباب نجاح النظام الصحي التركي إقامة استثمارات مهمة وإتاحة خدمات النظام الصحي لجميع المواطنين، بالجودة والسرعة نفسها من دون تمييز،  كما توجّهت الحكومة التركية بالقطاع الصحي إلى إنشاء مدن طبية ضخمة إنطلاقاً من النظام الصحي المعمم في كل المراكز الصحية بكل المحافظات والمدن والقرى، وانتهاء بإنشاء المدن الصحية وآخرها المدينة الصحية في أنقرة التي تحوي 4 آلاف سرير، وخلال فترة قصيرة جرى افتتاح مستشفى “إيكيتللي” الجديد في إسطنبول الذي يتسع لـ 1000 سرير مع غرف عزل في بداية إنتشار الفيروس.

 

ورغم ارتفاع عدد حالات فيروس كورونا في الفترة الأخيرة مع فتح البلاد، إلا أن الوضع لا يزال تحت السيطرة حيث يمكن القول عموما أن تركيا تمكنت من التغلب على أزمة كورونا من خلال خطط الحكومة الإقتصادية والصحية التي طبقتها خلال الأشهر الماضية، إضافة للبنية التحتية القوية في المجال الصحي ما ساهم في السيطرة على الوباء واحتوائه. كما تعمل الحكومة باستمرار على التوسع في إجراء الفحوصات للمزيد من التشخيص والعلاج مع العدد الكبير من المستشفيات عالية القدرة التي تم إفتتاحها في الفترة الماضية وتوفير جميع المستلزمات الطبية. الأشهر الماضية من العام الحالي شهدت افتتاح عدداً من المستشفيات والمدن الطبية، منها مدينة “باشاك شهير الطبية” في القسم الأوروبي من مدينة اسطنبول، التي تعتبر الأكبر في أوروبا اليوم من حيث المساحة وذلك ضمن مشاريع “مستشفيات المدن الضخمة” التي تعمل عليها الحكومة التركية.

 

مؤخراً، تم إفتتاح مستشفى “غوزتيبه” في مدينة اسطنبول الذي يقدم خدمات كبيرة للمواطنين من خلال بنيته التحتية الكبيرة والقدرات التكنولوجية العالية المتوفرة فيه، حيث يتكون من 7 أقسام، على مساحة خارجية تبلغ 238 ألفا و924 مترا مربعا، بينما تبلغ مساحته الداخلية 177 ألفا و472 متراً مربعاً. تتميز المدينة الطبية الجديدة كونها من أكبر المؤسسات الطبية المقاومة للزلازل على مستوى تركيا، وتم تزويدها بـ 385 عازلاً زلزالياً للتعامل مع الهزات العنيفة.

 

كما إفتتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخّراً مدينة طبية جديدة في إسطنبول تحمل إسم “مدينة البروفيسور سليمان يالتشين” الطبية؛ وقال أردوغان خلال الإفتتاح إنه “مع إفتتاح مدينة البروفيسور سليمان يالتشين الطبية في إسطنبول (القسم الآسيوي)، يرتفع عدد المدن الطبية في عموم تركيا إلى 16”.

 

وفي وقت لاحق، تم الإعلان عن بدء تشغيل المرحلة الأولى من المدينة الطبية في ولاية قونيا وسط جنوبي تركيا بسعة 838 مريضاً ليتم علاج مصابي كورونا إضافة إلى المصابين بالأمراض الأخرى، ما من شأنه أن يقلل العبء عن المستشفيات الأخرى المتواجدة في المدينة. يحتوي المستشفى على 278 عيادة، و130 وحدة عناية مركزة، و48 وحدة للعناية المركزة لحديثي الولادة، وما مجموعه 49 غرفة عمليات لأغراض مختلفة، ومن المنتظر أن يبلغ عدد الأسرّة الإجمالية للمستشفى بعد إكمال المرحلة الثانية منه 1250 سريراً.

 

“مدينة لطفي كيردار الطبية” في منطقة قارطال بإسطنبول من المدن الطبية التي افتتحها الرئيس التركي خلال الأشهر القليلة الماضية والتي من المنتظر ان تجري 100 ألف عملية جراحية سنوياً بما فيها عمليات السرطان الميدنة؛ وكما الكثير من المدن الطبية في تركيا، تضم 855 عازلاً مقاوماً للزلازل ما يجعلها واحدة من أقوى المباني في إسطنبول. يحتوي الصرح الطبي الجديد على 1105 أسرّة، وعيادات خارجية تبلغ قدرتها الاستيعابية 3.5 مليون مريض سنوياً, وبني المستشفى على مساحة 302 ألف متر مربع، ويحتوي على 210 عيادة خارجية و43 غرفة عمليات و25 سريراً لغسيل الكلى.

 

كما تم بناء مستشفى “البروفيسور الدكتور مراد ديلمنر” في مدينة إسطنبول خلال 45 يوماً، ضمن الجهود التي تبذلها الحكومة التركية لمواجهة فيروس “كورونا. يحتوي الصرح الطبي الجديد على 16 غرفة عمليات و576 غرفة مرضى مزودة بحمام، ويتضمن 432 سريراً لمرضى العناية المركزة، و36 سريراً لقسم الطوارئ، و8 لفرز المصابين، حيث يبلغ العدد الإجمالي للأسرّة داخله 1008 سرير. وقال أردوغان إن “بناء المستشفى خلال فترة أقل من شهرين هو إنجاز كبير، ففي حين عملت العديد من الدول على إنشاء مستشفيات ميدانية مؤقتة، نحن بنينا مستشفى سيواصل تقديم خدماته للمواطنين في كافة الأوقات، وسيكون مثالاً يحتذى به”.

 

القطاع الصحي الخاص والسياحة العلاجية

 

تولي تركيا مكانة كبيرة للراغبين بإجراء برامج السياحة العلاجية خاصة في ظل ما توليه من أهمية  ملحوظة لقطاعها السياحي إلى جانب باقي القطاعات، ومن أجل ذلك كان من ضمن أهدافها خلال أزمة “كورونا”، هو التغلب على تلك الأزمة وعدم تأثر “السياحة العلاجية” بها، وبالفعل كان لتركيا ما سعت إليه وباتت تصنف ضمن الدول الآمنة بالنسبة لجائحة كورونا بشهادة دول عدة. من أهم مميزات السياحة العلاجية في تركيا جودة الخدمات الصحية ومنافستها لأفضل دول العالم والأعداد الكبيرة للكادر الطبي والبشري القادر على تنفيذ أكثر العمليات تعقيداً، فضلاً عن الموقع الاستراتيجي كونها تتوسط ثلاث قارات.

 

كما يتوافر في تركيا بنية تحتية قوية لتكنولوجيا الصحة وسعة سريرية كبيرة في ظل العدد الكبير للمؤسسات والمنظمات الصحية المعتمدة والتي يتواجد فيها عدداً كبيراً من الأطباء المتخصصين في مجالات مختلفة يتمتعون بخبرات عريقة ولديهم القدرة على تقديم العلاجات وطرق المعالجة التكنولوجية المتقدمة بأسعار تنافسية وطرق علاج مخصصة للفرد وفترات انتظار قصيرة مع توفير فرص الطب التكميلي والبديل بالإضافة إلى طرق الطب التقليدية. 

 

المستشفيات الخاصة تشكل الخيار الأول للزوار الذين يأتون إلى تركيا بهدف الحصول على خدمة طبية، وجميعها مجهزة بأحدث المعدات التكنولوجية، كما أثبتت المستشفيات التركية تقدمها في علم الأورام وجراحة العظام وجراحة المخ والأعصاب وجراحة الأطفال والجراحة التجميلية وزرع الشعر وطب العيون وطب الأسنان وغيرها؛ كما أن العديد من المستشفيات في تركيا متخصصة في الجراحة الروبوتية، زرع نخاع العظم وزرع الأعضاء. 

 

إستطاعت مستشفيات تركيا أن تحقق أعلى نسبة إعتراف من قبل اللجنة الدولية المشتركة، فتركيا لديها بنية تحتية طبية مناسبة للسائحين الذين يقومون بسياحة طبية ويتوافدون من مكان في العالم. وتعد عمليات التجميل الخيار الأمثل سواء كان الهدف إصلاح العيوب والمشاكل التي يعاني منها الشخص أو تحسين المظهر، وذلك بفضل خبرة الأطباء والخدمات الطبية الممتازة بالمستشفيات التركية.