تكاليف علاج مصابي كورونا

تكاليف علاج مصابي كورونا

تداعيات على شركات التأمين والمستشفيات والأفراد

نتيجة انتشار فيروس كورونا في شكل واسع، وطول فترة انتشاره من دون التوصل إلى علاج ناجع بعد، ارتفعت أعداد الوفيات من جراء الجائحة. هذا الواقع جعل صناعة التأمين على الحياة في العالم تتكبد خسارات مالية كبيرة للمؤمِّنين على الحياة. وشكّل تحديّا كبيرا أمام القطاع وحملة البوالص ممن تكبدوا هم أيضا خسارات نتيجة الإغلاق وتوقُّف الأعمال. ونظرا إلى أنه في بلدان كثيرة كما في أميركا وأوروبا، تكثر التأمينات على الحياة وبمبالغ كبيرة، ألأمر الذي أوجد مشكلة إضافية سببها جائحة كوفيد- 19 التي أربكت القطاعات الصحية وغير الصحية.

فمع تكبّد الشركات مزيدا من الخسائر وكذلك المؤمِّنون المتضررون، تعرضت المستشفيات أيضا إما لتأخير استيفاء تكاليف الإستشفاء لمرضى كورونا المستجد، أو لضياع الأموال المستحقة في متاهات الإختلاف بين شركات التأمين والمرضى.

ترصد شركات التأمين على الحياة تأثير معدلات الوفيات، بسبب كورونا المستجد، على محافظها، وإن كانت تأثيرات الوفيات عليها أخف وطأة مما يجري في الأسواق المالية من تقلبات. فهذه التقلّبات تمثّل التحدي الأبرز لقطاع التأمين على الحياة، وذلك بسبب الأصول والمسؤوليات الطويلة الأجل التي تديرها شركات التأمين على الحياة. فهذه الشركات، تدير عالمياً أصولاً تتجاوز قيمتها الـ20 تريليون دولار، نصفها تقريباً هي سندات حكومية هبطت إيراداتها بشكل دراماتيكي، في وقت تضغط الأزمة كذلك، على السندات غير الحكومية، ما يثير مخاوف ائتمانية ويقود ربما إلى المزيد من تخفيض السندات. 

وتشهد الأسواق في الفترة الأخيرة الكثير من التقلبات، من أسعار صرف العملات وانخفاض قيمتها في عدد من دول العالم بوتيرة لم تشهدها منذ عقود، وحركات الأسهم، ومعدلات الفوائد وتوزع الأرصدة، ما وضع شركات التأمين والمعيدين أمام مخاطر إدارة هذه الأصول. إذ إن منحى العائد عليها مسطّح حالياً.

الوضع في العالم العربي

في العالم العربي ولا سيما في الخليج، من البديهي أن يكون تركيز شركات التأمين منصباً حالياً على جائحة كورونا، وحول تأثير الوباء على نشاط التأمين على الحياة وبرامج الادخار والتقاعد في العالم ومنطقة الشرق الأوسط. وعلى الرغم من كون فروع التأمين الأخرى، عالمياً، حتى الصحية منها، لا تواجه المخاطر والتحديات نفسها التي تواجهها تأمينات الحياة، إلا أن فيروس كورونا ألقى بثقله على صناعة التأمين في الشرق الأوسط عموماً، والخليج خصوصاً. وهذا ما دفع “موديز لخدمات المستثمرين” لمراجعة تقييمها للمخاطر التي تواجه شركات التأمين في دول مجلس التعاون الخليجي، ورفعتها من “متوسطة” إلى “عالية” في خلال الشهور الـ12 إلى 18 شهراً المقبلة، حيث يزيد الإنكماش الإقتصادي الناجم عن تداعيات فيروس كورونا، الضغط على قطاع التأمين.

لكن ما ينطبق من درجة خطر عالية على قطاع التأمين على الحياة في العالم، لا ينطبق بالدرجة نفسها في منطقة الشرق الأوسط، وبالتحديد أسواق الخليج، إذ لا تزال تأمينات الحياة أقل انتشاراً من فروع التأمين الأخرى وأقلها نمواً. وفي حين تغيب الإحصاءات الدقيقة عن حجم سوق تأمينات الحياة في الخليج، إلا أن أحدث التقديرات تشير إلى عدم تجاوزها نسبة 20 في المئة من إجمالي سوق التأمين، مقابل أكثر من 80% تستأثر بها فروع التأمين الأخرى. والجدير ذكره، أن إقرار التأمين الإلزامي على المقيمين في أكبر سوق تأمين في الخليج، الإمارات، شجّع على دخول لاعبين جدد إلى السوق، رافعين عدد الشركات المرخصة في الدولة إلى 62 شركة تأمين، ما زاد من حدة المنافسة وتآكل أرباح هذه الشركات، وفق ما ذكرت وكالة فيتش في تقرير لها في شباط/ فبراير الماضي. وجاء فيروس كورونا ليضع شركات التأمين الصحي أمام تحدي تحقيق الأرباح من عمليات الاكتتاب في الأقساط، وذلك بسبب المنافسة في الأسعار والتضخم في الفاتورة الطبية والذي بلغ 12.2% في العام 2019، وفق فيتش، متجاوزاً عتبة الـ 10% للعام الرابع على التوالي. وذكرت وكالة التصنيف “ستاندرد آند بورز” أن تداعيات كوفيد- 19، وتراجع أسعار النفط سيؤثران سلباً على أرباح شركات التأمين في الخليج، وتالياً على تصنيفها. 

ففي الإمارات حدد مسؤولون وخبراء في قطاع التأمين المحلي استراتيجيات مكملة للخطط الرئيسية تتبعها الشركات، حتى تتمكن من مواجهة التحديات التي فرضتها تداعيات كورونا، والمتمثلة في تراجع الأقساط، وانخفاض حجم الأعمال مع ارتفاع مطالبات بعض المجالات. ما يجبر تلك الشركات على إعادة صياغة استراتيجيات جديدة تتناسب مع المعطيات الراهنة.

وفي الكويت كان قطاع التأمين من أكثر القطاعات الاقتصادية تضرراً من وباء كورونا، خصوصاً الجانب المتعلق بالتأمينات على الحياة. ومن تعامل مع وثائق التأمين على الحياة في سوق الكويت، يعرف أن أغلبية هذه الوثائق تغطي معظم حالات الوفاة، باستثناء الوفيات الناتجة عن الانتحار أو مرض نقص المناعة المكتسبة، هذا بالطبع إذا ثبت أن هاتين الحالتين كانتا السبب المباشر للوفاة. وبناء عليه فإن شركات التأمين الكويتية التي أصدرت وثائق تأمين على الحياة، لم تستثن الأوبئة، ومن بينها وباء كورونا المستجد.

وفي الأردن قال رئيس الاتحاد الأردني لشركات التأمين ماجد سميرات، إن شركات التأمين الصحي لا تغطي عادة العلاج من الأوبئة، وذلك بعد أن سمحت الحكومة للمستشفيات الخاصة باستقبال المصابين بفيروس كورونا المستجد. علما أن قانون الصحة العام في الأردن يُحدد مسؤولية الدولة والحكومة في مكافحة المرض وتغطيته. وبالتالي فإن تغطية العلاج من فيروس كورونا المستجد من خلال شركات التأمين الصحي يعتمد على شروط العقد المتفق عليه بين الطرفين، وإن بعض العقود “يمنح هذه التغطية والبعض الآخر لا يمنحها”.

وكانت لجنة الأوبئة سمحت للمستشفيات الخاصة باستقبال المصابين بالفيروس، وذلك في ضوء ازدياد أعداد الإصابات بهذا الوباء، بحسب ما ذكر رئيس جمعية المستشفيات الخاصة، فوزي الحموري. لذلك، “لا بد من وجود بروتوكول طبي واضح يحدد الإجراءات الواجب اتباعها عند إدخال مريض كورونا والخدمات التي ستقدمها المستشفيات”. فإدخال المرضى إلى المستشفيات الخاصة بهدف العزل أو الحجر، لا يدخل ضمن نطاق وثيقة التأمين، وهو ما ينطبق على الفحوص الاستقصائية.

وفي مصر، تمثل التكلفة المرتفعة لعلاج مصابي كوفيد- 19 تحديا كبيرا أمام شركات التأمين فى إضافة علاج مصابي الوباء إلى وثائق التأمين الطبي لشركات التأمين، حيث تصل التكلفة في بعض الأحيان إلى نصف مليون جنيه لدى عدد من المستشفيات الخاصة لعلاج المريض فيها لمدة أسبوعين فقط. وقد أعلن الدكتور محمد عمران رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية إلزام شركات التأمين التي تقدم خدمات التأمين الطبي بالمساهمة في علاج المصابين بفيروس كورونا من حَمَلة وثائق التأمين الطبي. وقال إن الشركات التي تستحوذ على 71% من عملاء التأمين الطبي في السوق ملتزمة بتوفير التغطية العلاجية لمصابي فيروس كورونا من المؤمن عليهم لديها بصورة كاملة وذلك وفقاً لتعاقداتها مع المستشفيات.

وأضاف عمران أنه انطلاقا من المسؤولية المجتمعية لشركات التأمين وتفعيلاً لدورها في تغطية المخاطر التي تواجه المجتمع فإن باقي الشركات التي تستحوذ على 29% من عملاء التأمين الطبي في السوق والتي لا تغطى وثائقهم التأمينية الأوبئة، قد أبدت مرونة كبيرة في إعادة التغطية التأمينية لعملائها (المؤمن عليهم) وسداد تكاليف متطلبات التشخيص حتى يتم تحديد مدى إيجابية أو سلبية الإصابة بفيروس كورونا، مع إمكانية إستفادة هؤلاء العملاء – حال رغبتهم بإستكمال العلاج على نفقتهم – بأسعار شركة التأمين مع المستشفى المتعاقد معها. وتتحمل الشركات حاليا تكلفة الفحوصات والتحاليل التي تحدد مدى الإصابة من عدمها فقط. وتُنذر بأنه في حال تحمل الشركات علاج فيروس كورونا، فلابد من تعديل حجم القسط التأمينى ليتناسب مع تكلفة العلاج.

أما في لبنان، فإن عدد الأشخاص الذين لديهم منتجات تأمين طبية يوازي 840 ألف شخص، منهم ما يزيد على 466 ألفا يتمتعون بتغطية لتكاليف علاج ​الكورونا​ داخل المستشفى، أي ما يزيد على 55%. علما أن عقود تأمين ​العمال الأجانب​ توفر هذه التغطية من دون استثناء، ولغاية سقف ​مالي​ سنوي يصل إلى 35 مليون ليرة لبنانية”.

خسائر حول العالم

الوضع في بلدان عديدة حول العام، يختلف بحسب ظروف وقوانين تلك البلدان. ففي الولايات المتحدة لا تستثني بوالص التأمين على الحياة أي مرض يؤدي لوفاة العميل، باستثناء حالات الإنتحار خلال أول سنتين من امتلاك الشخص لبوليصة تأمين على الحياة. وجاء الإنتشار الواسع لوباء كوفيد- 19 وارتفاع أعداد الوفيات، ليمثّل تحديا كبيرا وغير مسبوق لصناعة التأمين على الحياة. فتلقت شركات التأمين الأميركية ضربة مزدوجة، حيث من المتوقع أن تخسر الكثير من الأموال نتيجة عدد الوفيات الكبير والمتزايد كل يوم بمعدلات ضخمة.

ومن ناحية أخرى يمثل انهيار قيمة العوائد على السندات الحكومية لمعدلات تاريخية خسارة أخرى كبيرة لتلك الشركات، التي تفضل استثمار جزء كبير من رأسمالها في السندات الحكومية. وفي أسواق المال، خسر مؤشر شركات التأمين على الحياة والتأمين الصحي ما نسبته 37% بعد أشهر على انتشار فيروس كورونا. وللسبب ذاته ارتفع مؤخرا عدد الراغبين في التأمين على حياتهم، لكن لم يكن هذا بالشيء اليسير في الولايات المتحدة، حيث يتردد الكثير من الشركات في قبول عملاء جدد. 

وفي بريطانيا، رصد موقع “أكتيف كوت” المختص في تقديم عروض التأمين المختلفة، ارتفاعا بنسبة 15% في طلبات التأمين على الحياة والتأمين على الصحة. وبسبب ارتفاع عدد الوفيات في البلاد بسبب أزمة فيروس كورونا، مع ما ينتج عن ذلك من تزايد المبالغ التي على الشركات دفعها. شهدت قيمة أسهم شركات التأمين تراجعا في البورصة بلغ حوالى 50%. بالإضافة إلى استمرار تراجع أنشطة البورصة وانخفاض سعر الفائدة. أي أنها ستتكبد خسائر غير مسبوقة. 

وقد بلغ ما دفعته شركات التأمين البريطانية للتعويض عن إلغاء السفر وتأمين الحياة والذي بلغ في أسبوعين من شهر مارس/آذار الماضي فقط، حوالى عشرين مليون جنيه إسترليني (نحو 25 مليون دولار). هذا الوضع الصعب لشركات التأمين، دفع بوكالة التصنيف الائتماني “فيتش” لتخفيض تصنيفها إلى “سلبي” بعدما كان تصنيفها مع بداية انتشار الوباء “مستقرا”. وبررت الوكالة هذا القرار بسرعة انتشار الوباء وارتفاع عدد الوفيات في بريطانيا، ما يعني عددا أكبر من وثائق التأمين التي يجب دفعها.

أما في فرنسا ففقدت شركات التأمين في سوق البورصات في باريس، أكثر من 30% من قيمتها منذ بداية العام الجاري، بسبب تداعيات وباء كورونا. وتضررت كبرى الشركات الفرنسية في مختلف القطاعات خصوصا تلك التي تستثمر بشكل أساسي في شركات التأمين، لأنها مرتبطة بالأسواق الأوروبية المتداعية بالأزمة ذاتها. ويؤكد خبراء الاقتصاد أن الخسائر ستكون متوسطة لدى شركات التأمين الفرنسية، لأن الحكومة هي من تتولى تعويض الشركات المفلسة والمتضررة من آثار فيروس كورونا، أما شركات التأمين فتتولى تعويض الأشخاص المتضررين على وجه الخصوص. ومع أن معظم العقود تتضمن بنودًا قانونية تنص على التعويض في حالة الإغلاق بقرار إداري، غير أن شركات التأمين الفرنسية تتلكأ وتبحث عن مخارج قانونية للتملص من التعويض، لأن الخسائر المسجلة كانت ضخمة.

يشار إلى أن الحكومة الفرنسية صادقت على خطة بقيمة 300 مليار يورو على شكل قروض، من أجل مساعدة آلاف الشركات الصغرى والمتوسطة المتضررة بعد توقف عجلة الاقتصاد، نتيجة آثار الحجر الصحي المتواصل منذ أشهر. فالخسائر في باريس وضواحيها فقط جراء أزمة كورونا، وصلت إلى أكثر من مليار يورو. وهذا ما يستلزم تعويض أصحاب تلك المشاريع الصغيرة والمتوسطة وإنقاذها من الإفلاس، خاصة الحديثة منها.

تقييم وتخطيط

مع تقييم الوضع خلال العام 2020، يتبيّن جليّاً لدى المعنيين أن ما كان عليه هذا العام لا يشبه أيا من التجارب والصعوبات السابقة. لذلك فإن جميع المعنيين بالقطاع الصحي ومتعلقاته، تمعّنوا في التجارب وأعادوا النظر في الخطط. بحيث يكونون أكثر جهوزية في العام 2021 لمواجهة تداعيات كوفيد- 19 للفترة المتوقع أن يمتد خلالها مستقبلا. ومن هنا بدأت المستشفيات باعتماد أساليب مختلفة في التعاطي مع الواقع المستجد بحيث تستمر في علاج مرضاها ومصابي فيروس كورونا وتقديم أفضل خدمة لهم، وفي الوقت نفسه تجنّب الخسائر الناتجة من الكلفة العالية لعلاج أعداد متزايدة من المصابين، وتخلّف الهيئات الضامنة في العديد من الحالات عن الدفع، أو تأخير الدفع لآجال بعيدة.

السؤال المحوري الذي يتم تداوله كثيراً الآن هو “متى نتوقع أن تعود الأعمال إلى طبيعتها، لتعرف المستشفيات والشركات على أي أساس يجب أن توضع استراتيججيات 2021؟

فمع تطور هذا الوضع، يُتوقع من شركات التأمين أن تواصل العمل على امتصاص الصدمات التي يتعرض لها الاقتصاد والمجتمع. لكن من الناحية المالية، تستعد الصناعة لأحداث متعلقة بانتشار فيروس كورونا المستجد، ربما تؤدي إلى انخفاض في الأقساط فضلا عن صعوبات في التحصيل. 

ويتوقع الخبراء أن ينعكس هذا الوضع على انسياب عمليات التغطية الصحية للمرضى وللمؤمِّنين على الحياة. وهذا ما ينعكس على ثلاثي الشركات والمستشفيات والمرضى.  ولذك يجري البحث حاليا حول تحديد نسبة الإصابات المتوقعة بفيروس كورونا، مقارنة مع إجمالي عدد السكان، وبالتالي عدد المؤمن عليهم. وما هي نسبة الوفيات المقدّرة من بين المصابين بالفيروس؟ وهنا لا بد من الملاحظة أن القطاعات الصحية في الخليج سواء تحت الإشراف العام أو الخاص، احتاطت لهذا الأمر استعدادا لأية تطورات محتملة في المستقبل. وما البوادر الظاهرة حتى الآن إلا خير دليل على نجاح ما تم وضعه من استراتيجيات وخطط.

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *